كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 4)

وكذلك قد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - دِحيةَ بن خليفة الكلبي إلى هرقل عظيم الروم بكتاب ليس فيه براهين، ولا جدل، وإنما فيه: " أسلم تسلم، وإن لم تسلم، كان عليك إثمُ الأريسيّين "، وفيه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا} [آل عمران: 64] الآية (¬1)، مع توجيه هذا الرسول بهذا الكتاب إلى أئمة المنطق والبرهان، ولم يُعَلِّم رسوله ما يُجادِلُهُمْ به، ولا لقَّنَهُ أي شيء يُجيبُ به عليهم، فهو مثل المحدث الذي زعموا أن هارون أرسله إن صح ذلك (¬2).
وكذلك سائر (¬3) رسل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه بَعَثَ إلى النجاشيِّ (¬4) وإلى
¬__________
= 203 و5/ 390 - 292 في خبر مطول من حديث أم سلمة، وفيه: كان الذي يُكلمه منهم جعفر بن أبي طالب، فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتُم دينَ قومكم، ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية، فما هذا الدين؟ فقال جعفر: أيها الملك، كنا قوماً على الشرك، نعبدُ الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار ونستحلُّ المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحلُّ شيئاً ولا نحرمه، فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا، نعرِفُ وفاءَه وصِدْقَه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبُدَ الله وحده، لا شريك له، ونصِلُ الرحم، ونُحْسِنُ الجوار، ونصلي، ونصوم، ولا نعبدُ غيره، فقال: هل معك شيءٌ ممَّا جاء به؟ وقد دعا أساقفته، فأمرهم، فنشروا المصاحف حوله، فقال له جعفر: نعم، قال: هلم، فَاتْلُ عليَّ ما جاء به، فقرأ عليه صدراً من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم.
ورواه البيهقي في " الدلائل " 2/ 299 - 300 من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى. وقال: وهذا إسناد صحيح.
وفي الباب عن ابن مسعود عند الطيالسى (346)، والبيهقي في " الدلائل " 2/ 297 - 298.
(¬1) أخرجه البخاري (7) و (2941) و (4553)، ومسلم (1773)، وأحمد
1/ 262، والبيهقي في " الدلائل " 4/ 377 - 380 من طرق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس.
(¬2) في الحكاية التي نقلها قريباً، ووصفها بأنها باردة.
(¬3) ساقطة من (د).
(¬4) أخرجه ابن إسحاق في " السيرة " ص 210، ومن طريقه الحاكم في " المستدرك " =

الصفحة 100