كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 4)
فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلاً لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والمَلَكَةِ لا تقابُلَ السلب والإيجاب، فإنَّ الجدار لا يُقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذْ ليس بقابلٍ لهما.
قيل لك: أولاً: هذا لا يصح في العدم والوجود، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء فيلزم (¬1) من رفع أحدهما ثبوت الآخر، وأمَّا ما ذكرته من الحياة، والموت، والعلم، والجهل، فهذا اصطلاحٌ اصطلحت عليه المتفلسفة المشاؤون، والاصطلاحاتُ اللفظية ليست دليلاً على الحقائق العقلية، وقد قال الله (¬2) تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 20 - 21]، فسمى الجماد ميتاً، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم.
وقيل لك ثانياً: فما لا يقبل الاتصاف (¬3) بالحياة والموت، والعمى والبصر ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبلُ الاتصاف (¬4) بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما، فأنت فررت (¬5) من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات (¬6) التي لا تقبل ذلك.
وأيضاً فما لا يقبَلُ الوجود والعدمَ أعظمُ امتناعاً من القابل لهما، ومن
¬__________
(¬1) في (ش): فلزم.
(¬2) ساقطة من (د).
(¬3) تصحفت في (ب) إلى: الإنصاف.
(¬4) تصحفت في (ب) إلى: الإنصاف.
(¬5) تحرفت في (ب) إلى: قدرت.
(¬6) في (أ): الجامدات.