كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 4)
حضرتُ من وَرَعِه شيئاً بمكة: أنه أرهن سطلاً عند فامِيَّ (¬1)، فأخذ منه شيئاً لِيَقوتَه. فجاء، فأعطاه فِكَاكه، فأخرج إليه سطلين، فقال: انظُر أيُّهما سطلُك؟ فقال: لا أدري أنت في حِلٍّ منه، ومما أعطيتك، ولم يأخذه. قال الفامي: والله إنه لسطلُه، وإنما أردت أن أمتحنه فيه.
وبه (¬2) إلى أبي نعيم حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الأبار: سمعت محمد بن يحيى النيسابوري، حين بلغه وفاة أحمد، يقول: ينبغي لكلِّ أهل دارٍ ببغداد أن يُقيموا عليه النياحةَ في دورهم.
قلت: تكلَّم الذُّهلي بمقتضى الحُزن لا بمقتضى الشرع (¬3).
قال أحمد بن القاسم المقرىء: سمعت الحسين الكرابيسي، يقول: مثل الذين يذكرون أحمد بن حنبل مَثَلُ قومٍ يجيئون إلى أبي قُبَيْسٍ (¬4) يُريدون أن يَهدِمُوه بنعالهم.
الطبراني: حدثنا إدريس بن عبد الكريم المقرىء، قال: رأيتُ علماءنا مثل الهيثم بن خارجة، ومُصعبٍ الزُّبيري، ويحيى بن معين،
¬__________
(¬1) أي: بائع الفوم، أي: الحِمّص.
(¬2) أي: بالسند السابق، وتحرف في الأصول إلى: " ونسبه ".
(¬3) لأن الشرع قد نهى عن النياحة، وعدها من صنيع الجاهلية. فقد أخرج مسلم في " صحيحه " (67) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت ".
وأخرج البخاري (1294) و (1297) و (1298) و (3519) من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ليس منَّا من ضَرَبَ الخُدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ".
وأخرج مسلم (934) من طريق أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سربال من قَطِران ودرعٌ من جرب ".
(¬4) هو اسم الجبل المشرف على مكة، وهو مواجه جبل قُعَيْقِعَان، وبينهما مكة، أبو قبيس من جهة الشرق، وقعيقعان من جهة الغرب.