كتاب مسند أبي عوانة - ط المعرفة (اسم الجزء: 4)
الأَنْصَارِ كَانَ لاَ يُسْبَقُ ، فَقَالَ : هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ ؟ أَلا هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ مَرَّتَيْنِ ، أَوْ ثَلاثًا ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ أَمَا تُكْرِمُ عَلَيْهِ كَرِيمًا ، وَلا تَهَابُ شَرِيفًا ؟ قَالَ : لاَ إِلا رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، أَفَلا أُسَابِقُ الرَّجُلَ ؟ قَالَ : إِنْ شِئْتَ ، فَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ ، فَطَفَرْتُ عَنْ ظَهْرِ النَّاقَةِ ، ثُمَّ قُلْتُ : اذْهَبْ إِلَيْكَ ، وَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا ، أَوْ شَرَفَيْنِ ، ثُمَّ تَرَفَّعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ ، فَصَكَكْتُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، ثُمَّ قُلْتُ : سَبَقْتُكَ وَاللَّهِ ، قَالَ : إِنِّي أَظُنُّ ، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَمَا لَبِثْنَا بِهَا إِلا ثَلاثًا ، حَتَّى خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم إِلَى خَيْبَرَ ، فَخَرَجْتُ وَعَمِّي عَامِرُ بْنُ الأَكْوَعِ ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ الْقَوْمَ ، وَيَقُولُ :
تَالَلَّهِ لَوْلا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا ... فَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا.
فَنَادَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، هَذَا عَامِرٌ ، فَقَالَ : غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ ، قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم قَطُّ يَخُصُّهُ لِرَجُلٍ إِلا اسْتُشْهِدَ ، قَالَ : فَنَادَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ : يَا رَسُولَ اللهِ ، لَوْ مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ أَقْبَلَ مَرْحَبٌ ، فَقَالَ :
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِ السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ .
فَقَالَ عَامِرٌ :
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ ... شَاكِ السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ
فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ
وَرَجَعَ سَيْفُ عَامِرٍ عَلَيْهِ ، فَأَصَابَ سَاقَ نَفْسِهِ فَأَتَى لَهُ فِيهَا ، قَالَ : فَمَرَرْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم وَهُمْ يَقُولُونَ : بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم أَبْكِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَبَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ ؟ قَالَ : وَمَنْ قَالَ ذَاكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : بَعْضُ أَصْحَابِكَ ، قَالَ : كَذَبَ ذَاكَ ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ، قَالَ : ثُمَّ أَرْسَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقِيلَ : يَا نَبِيَّ اللهِ ، إِنَّهُ أَرْمَدُ ، فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم قَبْلَ ذَلِكَ : لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَبَسَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم فِي عَيْنَيْهِ ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ ، فَكَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ ، وَلَمَّا بَرَزَ عَلِيٌّ فَارْتَجَزَ مَرْحَبٌ ، فَقَالَ :
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِ السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ.
قَالَ : فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ
أُوفِيهِمْ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
فَقَالَ : فَفَلَقَ عَلِيٌّ رَأْسَهُ وَكَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ.
الصفحة 305