كتاب مسند أبي عوانة - ط المعرفة (اسم الجزء: 4)
ثُمَّ عَقَرْتُ بِهِ ، وَلا يَقْدُمُ عَلَيَّ ، قَالَ : فَمَا زَالَ ذَلِكَ شَأْنِي وَشَأْنُهُمْ حَتَّى مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم إِلا اسْتَنْقَذْتُهُ ، وَجَعَلْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي ، قَالَ : وَطَرَحُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِينَ بُرْدَةً وَثَلاثِينَ رُمْحًا كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَخِفُّونَ مِنِّي ، وَأَجْعَلُ عَلَيْهِ آرَامًا حَتَّى لاَ يَخْفَى عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ، وَلا عَلَى أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا امْتَدَّ الضُّحَى الأَكْبَرُ ، قَالَ : وَدَخَلُوا الْمَضِيقَ عَلَوْتُ الْجَبَلَ ، وَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ إِذَا عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ ، قَدْ جَاءَ مَدَدًا لِلْمُشْرِكِينَ فَنَزَلُوا يَتَضَحَّوْنَ ، فَأَشْرَفَ عَلَى جَبَلٍ فَأَقْعَدَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ : مَا هَذَا الَّذِي أَرَى ؟ قَالُوا : هَذَا لَقِينَا مِنْهُ الْبَرْحَ ، فَوَاللَّهِ إِنْ فَارَقَنَا بِغَلَسٍ حَتَّى اسْتَنْقَذَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ : لَوْلا أَنَّ هَذَا يَرَى وَرَاءَهُ طَلَبًا ، لَتَرَكَكُمْ لِيَقُمْ إِلَيْهِ مَعِي مِنْكُمْ ، فَقَامَ أَرْبَعَةٌ فَسَنَدُوا إِلَيَّ فِي الْجَبَلِ ، فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمُ الصَّوْتَ ، قُلْتُ لَهُمْ : أَتَعْرِفُونِي ؟ قَالُوا : وَمَنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم لاَ يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكُنِي وَلا أَطْلُبُهُ فَيَفُوتُنِي ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ : إِنِّي أَظُنُّ ، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ مَقْعَدِي ذَاكَ حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ ، فَإِذَا أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِيُّ ، وَإِذَا عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ ، وَإِذَا عَلَى إِثْرِ أَبِي قَتَادَةَ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ ، وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ ، فَأَعْرَضَ الأَخْرَمُ الأَسَدِيُّ ، فَآخُذُ بِعِنَانِ فَرَسِهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَخْرَمُ ، أَنْذِرْهُمْ ، فَإِنَّ الْقَوْمَ قَلِيلٌ خَبِيثٌ ، وَلا آمَنُهُمْ أَنْ يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالَ : يَا سَلَمَةُ ، إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ ، فَلا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ ، قَالَ : وَالتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَقَتَلَهُ ، وَعَقَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ ، وَتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ ، وَيَلْحَقُهُ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ ، فَقَتَلَهُ أَبُو قَتَادَةَ ، وَعُقِرَ بِأَبِي قَتَادَةَ فَرَسُهُ ، وَتَحَوَّلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ ، قَالَ : وَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ لاَ يَلْوُوُنَ عَلَى شَيْءٍ ، قَالَ : فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم إِنِّي بِطَلَبِ الْخَيْلِ ، وَالرِّكَابِ ، وَالرِّجَالِ الَّذِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم حَتَّى مَا أَرَى غُبَارَهُمْ ، قَالَ : فَعَرَضُوا الشِّعْبَ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ : ذُو قَرَدٍ يُرِيدُونَ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ ، قَالَ : فَنَظَرُوا إِلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ ، قَالَ : فَحَلأْتُهُمْ ، فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً وَهُمْ عِطَاشٌ حَتَّى سُنِدُوا فِي ثَنِيَّةٍ ، يُقَالُ لَهُ : نَيْرُ ، قَالَ : وَأَلْحَقُ رَجُلاً مِنْ آخِرِهِمْ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ فَأَصْطَكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ (1)، فَقُلْتُ :
خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
_حاشية__________
(1) تحرف في المطبوع إلى : "نُغْصِ كَتِفِهِ" والصواب ما أثبتناه ، قال ابن الأثير : ويُرْوى : في نُغْض كتِفه ؛ النُّغْض والنَّغْض والناغِض : أعْلى الكَتِف ، وقيل : هو العَظْم الرقيق الذي على طَرَفِه. "النهاية في غريب الحديث" 5/87.
الصفحة 308