كتاب مسند أبي عوانة - ط المعرفة (اسم الجزء: 4)
قَالَ : وَاثُكْلَ أُمِّي ، أَكْوَعِيًّا بَكْرَةً ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، أَيْ عَدُوَّ نَفْسِهِ ، قَالَ : فَأَدْرَكَ فَرَسَيْنِ عَلَى الْعَقَبَةِ فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم حَتَّى وَجَدْتُهُ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلأْتُهُمْ عَنْهُ ذُو قَرَدٍ ، وَإِذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم فِي مِئَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ نَزَلُوا الْمَاءَ ، وَأَخَذُوا الإِبِلَ ، وَالْبُرُدَ ، وَكُلَّ شَيْءٍ خَلَّفْتُ وَرَائِي ، وَإِذَا بِلالٌ قَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ، فَنَحَرَ جَزُورًا مِنَ الإِبِلِ الَّذِي عَدَّيْتُ لَهُمْ ، وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم مِنْ سَنَامِهَا وكَبِدِهَا ، قَالَ : وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ ، وَسَطِيحَةٍ أُخْرَى فِيهَا مَاءٌ ، فَتَوَضَّأْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ وَشَرِبْتُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، خَلِّنِي فَلأَنْتَخِبُ مِنَ الْقَوْمِ مئة رَجُلٍ فَآخُذُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالْعَشْرَةِ ، فَلا يَبْقَى مِنْهُمْ رَجُلٌ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ فِي ضَوْءِ النَّارِ ، فَقَالَ : أَكُنْتَ فَاعِلا يَا سَلَمَةُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَكَ ، فَقَالَ : إِنَّهُمُ الآنَ لَيُقْرَوْنَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ ، قَالَ : فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ ، فَقَالَ : نَحَرَ لَهُمْ فُلانٌ الْغَطَفَانِيُّ جَزُورًا ، فَلَمَّا كَشَطَ جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا ، فَقَالُوا : هَذَا غُبَارُ الْقَوْمِ فَمَا خَافُوهَا وَوَلَّى الْقَوْمُ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ جَمِيعًا ، قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم : كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ : أَبُو قَتَادَةَ ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا : سَلَمَةُ ، قَالَ : ثُمَّ أَرْدَفَنِي نَبِيُّ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ ، فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ضَحْوَةً ، وَفِينَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لاَ يَسْبِقُ عَدْوًا ، قَالَ : هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ إِلَى الْمَدِينَةِ ، أَلا مِنْ مُسَابِقٍ فَأَعَادَهَا مِرَارًا وَأَنَا سَاكِتٌ ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ : مَا تُكْرِمُ كَرِيمًا ، وَلا تَهَابُ شَرِيفًا ، فَقَالَ : لاَ إِلا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، ذَرْنِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لأُسَابِقَ الرَّجُلَ ، قَالَ : إِنْ شِئْتَ ، فَقُلْتُ : اذْهَبْ إِلَيْكَ ، فَخَرَجَ يَشْتَدُّ وأَطْفُرُ عَنِ النَّاقَةِ ، ثُمَّ أَعْدُو فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا ، أَوْ شَرَفَيْنِ ، فَسَأَلْتُهُ مَا رَبَطْتَ ؟ فَقَالَ : اسْتَبْقَيْتُ نَفْسِي ، ثُمَّ إِنِّي عَدَوْتُ عَدْوَتِي حَتَّى أَلْحَقَهُ وَأَصُكُّ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، فَقُلْتُ : سَبَقْتُكَ وَاللَّهِ ، قَالَ : فَنَظَرَ إِلَيَّ فَضَحِكَ ، وَقَالَ : إِنِّي أَظُنُّ ، قَالَ : حَتَّى وَرَدَ الْمَدِينَةَ فَمَا لَبِثْنَا إِلا ثَلاثَ لَيَالٍ ، حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ ، فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ ، وَهُوَ يَسُوقُ بِهِمْ ، وَهُوَ يَقُولُ :
الصفحة 309