كتاب طبقات علماء الحديث (اسم الجزء: 4)

إلا الجميل، أقبل عليَّ وقام لي، والتزمني، ودَعَوْتُ له، وقلتُ: عندنا قصور يوجب التقصير فقال: ما عندك تقصير ولا قصور. وذكر أمر السُّنَّة فقال: ما عندك شيء يُعاب في أمر الدِّين ولا الدُّنيا، ولا بدَّ للناس من حاسدين. وبلغني عنه بعد ذلك أنه ذُكر عنده العلماء فقال: ما رأيتُ مثل فلان، دخل عليَّ فَخُيِّلَ إليَّ أنَّه أسدٌ قد دخل علي.
قال الشيخ الضِّياء: وكان المبتدعة قد وَغِروا صَدْرَ العادل على الحافظ، وتكلَّموا فيه عنده، وكان بعضُهم يقول: ربما يقتله إذا دخل عليه. وسمِعْتُ أن بعضهم بذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار. قال: وسمعت أبا بكر بن أحمد الطَّحان يقول: جعلوا الملاهي عند درج جيرون (¬1)، فجاء الحافظ فكسر كثيرًا منها، وصَعِدَ المنبر، فجاءه رسول القاضي يطلبه ليناظره في الدَّفِّ والشّبَّابة، فقال: ذاك حرام، ولا أمشي إليه، إن كان له حاجة يجيء هو. قال: فعاد الرسول يقول: لا بد من مجيئك، قد بطلت (¬2) هذه الأشياء على السلطان. فقال: ضرب الله رقبته ورقبة السُّلْطان. فمضى الرسول وخفنا من فتنة، فما أتى أحد بعد.
سمعتُ محمود بن سلامة الحَرَّاني بأَصْبَهان يقول: كان الحافظ بأَصْبَهان يخرج فيصطفُّ الناس في السوق ينظرون إليه، ولو قام بأصبهان مُدَّة، وأراد أن يملكها لملكها؛ يعني من حبِّهم له ورغبتهم [فيه] (¬3).
¬__________
(¬1) ما زال درج جيرون قائمًا، وهو عند الباب الشرقي للجامع الأموي، وتسمى المحلة الآن "النوفرة"، وقد ذكره ياقوت الحموي في "معجم البلدان": 2/ 199، وانظر ما كتب صلاح الدين المنجد عن باب جيرون في "خطط دمشق": 123 - 129، ويبدو أن جيرون كانت محل فسق وشرب خمر ولهو.
(¬2) في "تذكرة الحفاظ": 4/ 1377 "عطلت".
(¬3) ما بين حاصرتين مثبت من "تذكرة الحفاظ": 4/ 1377.

الصفحة 153