كتاب دولة الإسلام في الأندلس (اسم الجزء: 5)

الإسلام بالأندلس، وسحق مدنيته وكل رسومه وآثاره، ويشهد يد الفناء والمحو، تعمل لاستئصال هذا الشعب الأندلسى النبيل التالد، من الأرض التى لبث يرعاها ثمانية قرون، وينثر فى أرجائها فيض عبقريته.
وتختلف الرواية فى تاريخ وفاة أبى عبد الله اختلافاً بيناً. فيقول لنا المقرى فى "نفح الطيب"، إنه توفى بفاس سنة أربعين وتسعمائة (1534 م) وإنه "دفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة" (¬1). ثم يعود فى "أزهار الرياض " فيقول إنه توفى بفاس فى سنة أربعة وعشرين وتسعمائة (1518 م) (¬2). وتذكر لنا الرواية القشتالية القريبة من ذلك العصر أن أبا عبد الله توفى قتيلا فى موقعة أبى عقبة الشهيرة التى نشبت بين السلطان أحمد أبى العباس الوطاسى حفيد أبى عبد الله محمد الوطاسى، وبين خصومه السعديين الأشراف الخوارج عليه، واشترك فيها أبو عبد الله محارباً إلى جانب أصدقائه وحماته الوطاسيين. وقد حدثت هذه الموقعة فى سنة 943 هـ (1536 م) وهزم فيها بنو وطاس هزيمة شديدة (¬3)، فإذا صحت هذه الرواية (¬4)، فإن أبا عبد الله يكون قد توفى فى نحو الخامسة والسبعين من عمره. بيد أننا نرجح رواية المقرى الأولى، وهى أن أبا عبد الله توفى بقصره فى فاس سنة 940 هـ.
أما روايته الثانية، وهى أنه توفى فى سنة 924 هـ، فالمرجح أنها تحريف رقمى للأولى. وترك أبو عبد الله ولدين هما أحمد ويوسف، واستمر عقبه متصلا معروفاً بفاس مدى أحقاب، ولكنهم انحدروا قبل بعيد إلى هاوية البؤس والفاقة. ويذكر لنا المقرى أنه رآهم وتتبع أخبارهم حتى سنة 1037 هـ (1628 م)، وأنهم كانوا معدمين يعيشون من أموال الصدقات (¬5).
¬_______
(¬1) راجع نفح الطيب ج 2 ص 617؛ ويتابع السلاوى المقرى فى روايته (الإستقصاء ج 2 ص 168).
(¬2) أزهار الرياض ج 2 ص 168.
(¬3) الإستقصاء ج 2 ص 177.
(¬4) هذه هى رواية Luis del Marmol فى كتابه: Rebelion y Castigo de los Moriscos Lib. I. Cap. XXI، ويعلق هذا المؤرخ على هذه الرواية قائلا: "ومن سخرية القدر أن يموت هذا الملك دفاعا عن مملكة أخرى، بينما هو لم يجرؤ أن يموت دفاعا عن مملكته". وينقل هذه الرواية عنه كثير من المؤرخين الإسبان والبرتغاليين. راجع Lafuente Alcantara; ibid; V. III. p. 84. وينقل صاحب الإستقصاء هذه الرواية عن مؤرخ برتغالى (ج 2 ص 168). وينقلها واشنطن ايرفنج فى الملحق الخاص بأبى عبد الله فى آخر كتابه: Conquest of Granada
(¬5) نفح الطيب ج 2 ص 617

الصفحة 287