كتاب تاريخ الجزائر الثقافي (اسم الجزء: 4)

سنة). ومعظم المؤلفات تجعل خروجه من المغرب الأقصى صدفة أو قضاء وقدرا، ولكن رين يذكر أن السلطان سليمان أراد أن يختبره فأعطاه مخطوطا وطلب منه التعليق عليه، وكان هذا السلطان مطلعا على الأحوال ومتداخلا في قضايا الفقه والطرق الصوفية ومحيطا بأحوال السياسة والعصر، لكن الشيخ السنوسي اعتذر عن ذلك وخاف العاقبة، مثل سلفه أحمد المقري، فغادر البلاد سنة 1829 معلنا نية الحج، وقد علق رين على هذا الموقف بأن السنوسي كان (بطبعه) غير مجامل، كما أنه كان قد دخل ميدان التصوف (¬1). وكأننا بالسنوسي قد سلك طريق الحج المغربي القديم، طريق الصحراء، كما فعل الدرعي والعياشي، فهو لم يركب البحر أو يذهب عبر المدن الساحلية، ولكنه رحل عبر التلول والمدن الداخلية، قاطعا المسافات ببطء، كما لاحظ أحد الكتاب، فكان يتوقف عند مشايخ الطرق، كما فعل مع شيخ القنادسة (الزيانية) وشيخ كرزاز (الكرزازية). وقد أخذ الطريقة عن كليهما، ولا ندري إن كان للحصار البحري الذي ضربه الفرنسيون حول الجزائر منذ 1827 دخل في سلوك السنوسي طريق البر نحو الشرق، ولكن الأكيد أن صدى الحملة على الجزائر الذي بدأ منذ يناير 1830، وتصاعد منذ إبريل وانتهى باحتلال الجزائر والمرسي الكبير في صيف السنة نفسها، قد أثر على مجرى الرحلة، ونحن نعلم أن الشيخ لم يرجع إلى الجزائر بعد ذلك، ولكنه كان من النضج ومن شدة الملاحظة أثناء الطريق ما يجعله يحتفظ بصورة واضحة عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية والدينية فيها.
كان الشيخ السنوسي يتوقف في الطريق، وقد انتصب للتدريس في بعض البلدان مثل الأغواط، ونزل عين ماضي وجبل عمور ومساعد، وأخذ ذكر الطريقة التجانية، ودرس الفقه والنحو في الأغواط، وتزوج في مساعد امرأة تدعى منة بنت محمد بن عبد الرحمن، ودخل الجلفة، ثم بوسعادة، وأقام عدة أشهر بين بوسعادة وجبل السحاري، وكان ذلك في الصيف حين كانت الحملة الفرنسية تنزل بالجزائر، وقد علم بذلك وهو في الصحراء، كما
¬__________
(¬1) رين، مرجع سابق، ص 483.

الصفحة 248