كتاب تاريخ الجزائر الثقافي (اسم الجزء: 4)

العالم الإسلامي) أن الشيخ السنوسي قد وقعت فيه ريبة من أنه يميل إلى بعض المبادئ الوهابية (¬1).
ولكن شيخه الفاسي ما لبث أن توفي (سنة 1835). فكان على السنوسي وقد تجاوز الأربعين، أن ينظر في حاله وحال العالم الإسلامي من حوله، وأن يقدم ما عنده من معارف سياسية وعلمية ودينية لهذا العالم المبعثر والمغزو في عقر داره، وكانت مكة تعج بمختلف الطرق وواقعة في قبضة دولة إسلامية ضعيفة، وتتصارع في مكة الأفكار التي ترد مع الحجاج، ومنها الأفكار الغريبة عن الدين الإسلامي نفسه، كتلك التي يأتي بها الجواسيس والدعاة المزيفون باسم الفرنسيين والبريطانيين وغيرهم، وكان في مكة أيضا هاربون من ظلم الاستعمار الغربي في بلادهم مثل الجزائريين ومسلمي روسيا، والهند، فكانت مكة بحق مهبط أفئدة المسلمين في الحج والزيارة، وملتقى الأفكار والمذاهب.
وقد أسس السنوسي زاوية في جبل أبي قبيس المطل على الكعبة. وأخذ ينشر طريقته الجديدة حسب التعاليم التي سنذكرها، وكان زميله في التتلمذ على الشيخ أحمد بن إدريس الفاسي هو الشيخ محمد صالح الميرغني الذي أسس بدوره زاوية في مكة تسمى (دار الخيزران) وأصبحت تعرف بالميرغنية، وكلتاهما ترجع إلى الخضرية/ القادرية، كما حملها عبد العزيز الدباغ، وكان مجال الميرغنية بعد ذلك مكة والسودان، كما كان مجال السنوسية مكة وليبيا ثم إفريقية والجزائر، وكان السنوسي قوي الشخصية غزير العلم مستقلا في رأيه مبتعدا عن الحكام والسياسة، فجلب عليه ذلك توجس الحكام ولكنه استقطب العلماء المستقلين أمثاله، فاغنوا زاويته وطريقته وتقوت بهم، ولكن السنوسي بقي على خلاف مع أبناء شيخه ابن إدريس الفاسي، كما أنه كان في مكة عابرا فقط لأن مهمته في الدعوة إلى
¬__________
(¬1) أرسلان، (حاضر) 2/ 399، وفي الهامش علق شكيب أرسلان بأن ذلك ينكره السنوسيون.

الصفحة 251