كتاب تاريخ الجزائر الثقافي (اسم الجزء: 4)

الدين والطريقة ومكافحة النفوذ الأجنبي كانت تدعوه إلى الخروج من مكة، إلى الميدان والجهاد، كما خرج الصحابة والتابعون من قبل من مكة والمدينة لنشر لواء الإسلام وتعاليمه، وهكذا اغتنم إحاطة وفد من حجاج ليبيا به ودعوتهم له بالنزول عندهم، حسب الروايات، فغادر مكة إلى برقة، تاركا زاوية أبي قبيس في يد أحد مقدميه، وكان ذلك سنة 1843.
وفي ليبيا بنى السنوسي عدة زوايا وازدهرت طريقته بسرعة، أول زاوية بناها كانت البيضاء بالجبل الأخضر، وكانت أول مهد لحركته، ثم تكاثرت الزوايا حتى وصلت أثناء حياته، اثنتين وعشرين زاوية، منها ثمانية عشر في ناحية برقة - بنغازي، ومنها بعض الزوايا في تونس والجزائر، سيما نواحي توات والصحراء عموما، وأسس سنة 1855 زاوية جديدة في جغبوب، ثم انتقل إليها مبتعدا عن الاحتكاك بالسلطة العثمانية المتمركزة بالسواحل، لكي يضمن حرية الحركة والاتصال بالأهالي وبإفريقية بعيدا عن أنظارها، وتقع جغبوب جنوب غرب بنغازي مسافة 15 يوما مشيا مع القوافل، ولقد ساءت العلاقة بين الشيخ السنوسي وبين السلطة العثمانية التي أصبحت تخشاه، فكان انتقاله إلى الجنوب فرصة لاستكمال بناء الطريقة وتكثير الأتباع قبل القضاء عليها في المهد، ولكن الوفاة أدركته سنة 1859 وهو في أوج عطائه وقوته الشخصية.
قلنا إن السنوسي شخصية امتازت بالطموح والهيبة، ونضيف أنه كان عالما قوي العلم، وله هدف محدد وواضح، وأنه عرك الحياة الدينية والسياسية للعالم الإسلامي من المغرب إلى المشرق، وعرف أن هناك داء ينخر جسم هذا العالم، ويتمثل في الحكام الجهلة والمنحرفين عن شريعة الإسلام، وفي العامة السائبة بدون راع ولا تنظيم ولا علم، ومن حول هذا العالم أطماع شرهة ينقض أصحابها هنا وهناك مفترسين جسم المعالم الإسلامي قطعة قطعة، فلم يكن السنوسي أميرا ليعلن عن إنشاء دولة جديدة، ولا ضابطا يقوم بانقلاب على حاكم فاسد، ولكنه رجل دين وعلم فسعى إلى أن يؤسس للدين منارة تسمى طريقة وللعلم معهدا يسمى زاوية، وكان

الصفحة 252