كتاب تاريخ الجزائر الثقافي (اسم الجزء: 4)

مشهورا بالانضباط والتنظيم، وكان قليل الكلام بعيد الهمة، ولا يظهر للناس إلا قليلا، متمسكا بالكتاب والسنة، متشددا مع نفسه ومع الناس، وكان في استقبالاته يضبط الوقت بالساعة، وهو طويل القامة بادي الهيبة، سهل الحديث بسيط المظهر فصيح اللسان يتمتع بجاذبية نادرة، وطريقة تكوين الدعاة عند السنوسيين كانت تتمثل في شراء الرقيق من الزنوج صغارا ثم يربونهم تربية إسلامية ويعتقونهم، ثم يرسلونهم لبث تعاليم الإسلام، فأصبح سلطان وداي مثلا تابعا للطريقة السنوسية، وأصبح أهلها يأتون إلى الزاوية، وكان هدف السنوسي هو تحرير الإسلام من النفوذ الأجنبي وإقامة حكم إسلامي على الأسس التي كان عليها في عهد الخلفاء الراشدين، كما كان هدفه هو (إعادة الإمامة العامة) ويقول (رين): إنه أسس داخل الدولة العثمانية دولة دينية مستقلة (¬1).
كان مع الشيخ السنوسي رجال أخلصوا له كل الإخلاص وتشبعوا بتعاليمه وآمنوا بهدفه البعيد، ومن هؤلاء عبد الله السني الذي عاش إلى سنة 1877، وهو الذي أمر ببناء سبع زوايا حول طرابلس، والحاج أحمد التواتي الملقب (العالم) الذي كان يشرف على مجموعة من الزوايا في نواحي فزان ومرزوق، وهناك شخصية أخرى قوية كان صاحبها مرشحا لخلافة الشيخ، ويدعى عبد الله التواتي، غير أنه قتل سنة 1851 قرب المدينة المنورة، وقد ترك السنوسي ولدا عمره، حين وفاة أبيه، حوالي 14 سنة، وهو المهدي، لكن الزاوية كان يتولاها مستشارون أقوياء العقيدة ومعلمون متمرسون، منهم معلم الأولاد: المدني بن أحمد التلمساني، ومنهم علي بن عبد المولى التونسي، وأحمد الغماري، وأحمد الريفي، وكلاهما من المغرب الأقصى، وعمران الطرابلسي، وغيرهم.
وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن تعاليم السنوسية وانتشارها نذكر حادثين وقعا في عهد السنوسي نفسه ويتعلقان بالجزائر، الأول موقف
¬__________
(¬1) انظر أرسلان، (حاضر). 2/ 400، ورين، مرجع سابق، 494.

الصفحة 253