ومهما اختلف الناس حول تعاليم وبرنامج السنوسية، فإن نظامهم في الزاوية الأم كان ملفتا لنظر الجميع لما امتاز به من إحكام وضبط وولاء وسرعة انتشار، ففي ظرف قصير تعددت الزوايا وأصبح الأتباع بالآلاف في آسيا وإفريقيا، لقد أصبحت الطريقة عبارة عن حكومة، كما وصفها بعضهم، وأصبح الشيخ السنوسي في زاويته كأنه رئيس دولة، وعلى رأس كل زاوية مقدم أو قيم يدير شؤونها ويرتب أمورها ويبث دعايتها ويحمي أتباعها، ويعطي عهودها، وكان فوقه وكيل دوره هو دور الحاكم المحلي، وكلاهما ينسق مع الآخر ويسهر على الأمن والنظام في القبيلة والزاوية، تنفيذا لأوامر الشيخ السنوسي، وبواسطة هذين المسؤولين تجبي الضرائب وتصرف المصاريف في المصالح العامة، ويجري العدل بين الناس وتفلح الأرض وتسوق السلع، وكانت أراضي الزاوية تحرث وتحصد بمقتضى عمل تطوعي لكل فرد في القبيلة، وبالإضافة إلى ذلك فإن الزاوية هي المسجد للصلوات والأذكار واللقاء الاجتماعي، وهي المدرسة حيث يتلقى الأطفال تعليمهم ويدخلون إلى تعاليم الدين، وفيها تجري عقود الزواج والصلاة على الأموات، وكانت الزاوية أيضا ملجأ الغريب ومأمن الخائف، سيما في المناطق النائية حيث القوافل والمنقطعون (¬1).
قوة الزاوية السنوسية ومركزيتها شهدت لها كل الكتابات المعاصرة. ومنها ما بالغ ربما في عدد الأتباع، فقد قال دوفيرييه سنة 1861 أن أتباع السنوسية قد بلغوا حوالي مليون ونصف، بينما قال لويس فينيون سنة 1887 أنهم ثلاثة ملايين (¬2). وهذا الرقم يدفع أصحابه الضرائب ويطيعون الشيخ ويدربون على السلاح، ويتبعون تعاليم السنوسية القائلة بأن الدين كله لله،
¬__________
= والسنة لكن يأمرون الناس بأخذ الورد، وطالبوهم بالرجوع إلى التعاليم المالكية، الخ.
(¬1) شكيب أرسلان (حاضر). مرجع سابق، 1/ 297.
(¬2) لويس فينيون (فرنسا في شمال إفريقيا). باريس، 1887، ص 219 - 221. وهو رقم مبالغ فيه.