كتاب البدر التمام شرح بلوغ المرام (اسم الجزء: 4)

النهي عن التجصيص والبناء، على التنزيه، والنهي عن القعود على التحريم، وفيه جمع بين الحقيقة والمجازه وحمل مالك (¬1) القعود هنا على قضاء الحدث وهو مردود بالرواية الأخرى في قوله: "لا تجلسوا على القبور": رواها مسلم (¬2)، وكذا قوله: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر" (¬3) فهذا ظاهر في الجلوس ولا يكنى بالجلوس عن قضاء الحاجة كما يكنى بالقعود، ويقاس على الجلوس الاستناد إليه والاتكاء عليه، والعلة في ذلك هو احترام قبر المسلم.
والتجصيص للقبر مكروه صرح بذلك أصحاب الشافعي (¬4) وغيرهم، وأما البناء على القبر فإن كان في مقبرة مسبلة، وشغلت العمارة فوق ما يشغل محل الدفن فلا كلام في تحريم ذلك، وإن لم تشغل أو كان في الملك أو المباح فقال الإمام (¬5) يحيى: إنه لا بأس بذلك. وباتخاذ القباب على الفضلاء لإجماع المسلمين (¬6) على وضع ذلك، وقال الشافعي في الأم (¬7): رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، وقال أيضًا (¬8): أكره أن يعظم
¬__________
= يتعرض لمسألة القعود 5/ 250، وذكر مسألة القعود 5/ 268 بلفظ (يكره) وقال: إن عبارة الشافعي وجمهور الأصحاب في الطرق كلها أنه يكره الجلوس، وأرادوا به كراهة التنزيه وقال بعض الشافعية بالتحريم.
(¬1) المنتقى 2/ 24.
(¬2) مسلم 2/ 668 ح 97 - 972.
(¬3) مسلم 2/ 667 ح 96 - 971.
(¬4) المجموع 5/ 250.
(¬5) البحر 2/ 132.
(¬6) وأي إجماع على ذلك، قلت: بل لا يجوز ويحرم ذلك، وهذه وسيلة من وسائل الشرك، فإن أول الأمر التذكير للاقتداء بهم، ثم آل الأمر إلى عبادة، وما كان وسيلة إلى محرم فهو حرام.
(¬7) الأم 1/ 246.
(¬8) الأم 1/ 246.

الصفحة 231