كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 4)

وأبو عمرو، وابن عامر: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم} بجمع السلامة. وكلتاهما قراءة صحيحة متواترة ومعناها صحيح (¬1).
{وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} اختلف العلماء في معنى هذا الأخذ -أخذ الذرية- من ظهور بني آدم على قولين (¬2): فذهبت جماعة من المفسِّرِين إلى أنّ مَعْنَى أخْذِهِم من ظهور بني آدم هو وجودهم قَرْنًا بعد قَرْنٍ، وجيلاً بعد جِيل، على طريق التناسل، والمعنى: أنّ اللهَ خلق بني آدم وخلق من هؤلاء ذرية، فينقضي هذا القرن ويخلق من هذا القرن ذرية كما قال: {كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: آية 133] وعلى هذا القول فالأخذ من ظهورهم: هو استخراج النُّطَف من أصلابهم على طريق التناسل قرنًا بعد قرن. وعلى هذا القول فقوله: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} الذين قالوا هذا القول قالوا: أشهدهم على أنفسهم بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأن الله نصب لهم من الأدلة الواضحة الظاهرة على كمال قدرته وأنه المعبود وحْدَه ما لا يُحْتَاج معه إلى شيء {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} يعني: أَثْبَتَ لهم ربوبيته واستحقاقه للعبادة بما ركز فيهم من الفِطْرَة والعقول، وما نصب لهم من الأدِلَّة، وعلى هذا القول فقوله: {قَالُواْ بَلَى} قالوا ذلك أيضًا بلسان حالهم، والعرب قد تطلق المقال على مقال لسان الحال، قال بعض العلماء: منه قوله تعالى:
¬_________
(¬1) انظر: المبسوط لابن مهران ص216.
(¬2) انظر: ابن جرير (13/ 222)، ابن كثير (2/ 261 - 264)، القرطبي (7/ 314)، أحكام أهل الذمة (2/ 523)، فما بعدها، شرح الطحاوية (302 - 316)، الروح لابن القيم (244 - 265)، الأضواء (2/ 335).

الصفحة 309