كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 4)
وقال: هؤلاء للنار ولا أُبالي، وخلق للجنة خلقًا، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (¬1)
والله يقول: {وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: آية 47] مثلاً لو قال القدري: هذه المعاصي والذنوب التي كانت سبب كونه في النار، قال البعيد: قدرها الله عليه، وسبق في علمه أنه مرتكبها، وأنه هو لو شاء لقلب العِلْم الأوَّل السابق في ذلك جهلاً لا يمكنه ذلك فما شاءه الله وعلمه وقدره في الأزل واقع لا محالة. فيقول البعيد: هو إذن مجبور. فإن السني يقول له: جميع الأسباب التي أعطاها الله للمهتدين أعطاك مثلها، فالعيون التي أبصروا بها آياته حتى آمنوا أعطاك عينين مثلها، والقلوب التي فهموا بها عن الله آياته حتى اهتدوا أعطاك مثلها، والآذان التي سمعوا بها آيات الله واتعظوا بها حتى اهتدوا أعطاك مثلها، ولكن وقع التفاوت في شيء واحد: وهو أن الله (جل وعلا) وفق هؤلاء لما يرضيه، وصرف قدرتهم ومشيئتهم بقدرته وإرادته إلى عمل أهل الجنة، وأنت لم يوفقك لما يرضيه، وهذا التوفيق ليس واجبًا لك عليه حتى تدعي عليه أنه ظلمك!! وقد ذكرنا مرارًا (¬2) أن هذا
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم في القدر، باب حجاج آدم وموسى (عليهما السلام) حديث رقم: (2653)، (4/ 2044). ولفظه عند مسلم: «كتب الله مقادير الخلائق ... ».
وفي لفظ عند البيهقي في الأسماء والصفات: «قدر الله المقادير ... » وفي لفظ: «فرغ الله (عز وجل) من المقادير وأمور الدنيا ... ».
(¬2) راجع ما سبق عند تفسير الآية (39) من سورة الأنعام.