كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 4)
كرامة ولطفًا. ومنه قول إبراهيم: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم: آية 47] والذين ذكروا هذا القول زعموا أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ليس منا فخذ إلا بينك وبينها قرابة؛ فلأجل القرابة التي بيننا وبينك أَسِرّ لنا الوقت الذي تقوم فيه القيامة، أَسِرَّهُ إلينا عن الناس. فأنزل الله الآية (¬1). وعلى هذا القول ففي الآية تقديم وتأخير {يَسْأَلُونَكَ} عنها، عن وقت رُسُوِّها {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ} وكأنك صديق لهم وقريب لهم لتخبرهم بما لم تخبر به الناس. هذا القول قاله جماعة من العلماء. وأظهر القولين: أن المراد بالحفيّ هنا: الذي يستحفي السؤال ويتقصيه (¬2)، العرب تقول: فلان يستحفي السؤال، معناها: يبالغ في السؤال عن الأمر ويتقصاه حتى يعلم حقيقته. يعني: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} أي: مبالِغ في تقصّي أخبارها ممن عنده خبرها حتى تحققت جميع أخبارها والأمر بخلاف ذلك. والعرب تقول: فلان حفيّ: أي: كثير السؤال عن هذا الشيء، يتقصَّى السؤال عنه حتى يعرفه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى (¬3):
فإنْ تسْأَلي عَنِّي فيا رُبَّ سَائِلٍ ... حَفيٍّ عن الأَعشَى به حيثُ أَصْعَدَا
والوجهان متقاربان، والأخير أقرب. وهذا معنى قوله: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}.
{قُلْ} لهم يا نبي الله {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ} كَرَّرَ ردَّ علمها إلى الله ليُعْلِم الخلق أنها لا يعلمها إلا الله.
¬_________
(¬1) أخرجه ابن جرير (13/ 298)، عن قتادة مرسلاً.
(¬2) هكذا في الأصل، وهو من سبق اللسان، وصوابه: ويتقصَّاه.
(¬3) ديوان الأعشى ص50.