كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 4)

كلام العرب، والأجود فيه أن (سواء) خبر مقدم، ونظيره من كلام العرب قول ابن قيس الرّقَيَّات (¬1):
تَخَطَّتْ بِيَ الشَّهْبَاءُ نَحْوَ ابْنِ جَعْفَرٍ ... سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا ونَهَارُهَا

يعني: ليلها ونهارها سواء، أي: مستويان. وقول الآخر (¬2):
وَلَيْلٍ يَقُولُ المَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِهِ ... سَواءٌ صَحِيحَاتُ العيونِ وعُورُها
أي: صحيحات العيون وعُورها سواء، أي: مستويات لشدة ظلامه لا يبصر فيه البصير كما لا يبصر الأعمى. وهذا معنى قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ} إلى الهدى أم صَمَتُّم عنهم. وعبَّر بالجملة الاسمية، يعني: إذا صَمَتُّم عنهم دائمًا فلم يهتدوا، وإذا دعوتهم فلن يهتدوا، فلا يهتدون إلى الهدى في حالة من الأحوال!! ومن كانت هذه حاله فكيف يتخذه العاقل ربًّا يعبده من دون الله؟! فهذا يدل على أنهم أقوام لا عقول لهم. وكان ابن عباس (رضي الله عنهما) يقول: إذا أردت أن تعرف عدم عقول العرب فاقرأ الآية الفلانية من سورة الأنعام قدر كذا، يعني: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (140)} [الأنعام: آية 140] (¬3) رزقهم الله الأولاد والمال فقتلوا الأولاد
¬_________
(¬1) البيت في ديوانه ص163، ابن جرير (1/ 256)، الكامل للمبرد (2/ 828)، تاريخ دمشق (27/ 272)، (33/ 285)، (38/ 91) وصدره في بعض هذه المصادر: «تغذُّ»، وفي بعضها «تَقَدَّتْ».
(¬2) البيت لمضرس بن ربعي. وهو في ابن جرير (1/ 256)، القرطبي (1/ 184)، الدر المصون (1/ 107).
(¬3) أخرجه البخاري في المناقب، باب قصة زمزم وجهل العرب، حديث رقم (3524)، (6/ 551).

الصفحة 423