كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 4)

أن (إذا) قَدْ تَأْتِي أداة تكرار إذا دَلَّتْ قرينة على ذلك، ومنه بذلك المعنى قوله (¬1):
إِذَا وَجَدْتُ أُوارَ النَّارِ فِي كَبِدِي ... ذَهَبْتُ نَحْوَ سِقَاءِ الْقَوْمِ أَبْتَرِدُ
هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ المَاءِ ظَاهِرَهُ ... فَمَنْ لِنَارٍ عَلَى الأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ

فإن معنى «إذا وجدت أُوار النار في كبدي»: كلما وجدت الحرارة الشديدة في كبدي بردتها بالماء.
وقوله: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ} كانت عادة الكفار اقتراح الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬2)، تارة يقترحون عليه آيات قرآنية تُتلى غير هذا القرآن، كما سيأتي في سورة يونس، وفي تفسير قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [يونس: آية 15] وتارة تكون الآيات المقترحات آيات كونية قدرية كما في قوله: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (90)} وفي القراءة الأخرى (¬3): {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ} [الإسراء: الآيتان 90، 91] إلى آخر الآيات المقترحات، وهي كثيرة في كلام العرب.
ومن العلماء ما ظاهر كلامه أن الآية المقترحة هنا آيات أُخر من
¬_________
(¬1) البيتان لعروة بن أُذينة. وهما في الشعر والشعراء ص580، تاريخ ابن عساكر (40/ 205، 206، 207)، زاد المعاد (4/ 29)، روضة المحبين ص46، زهر الآداب (1/ 167)، وفيات الأعيان (2/ 394)، مع شيء من الاختلاف في بعض الألفاظ.
(¬2) مضى عند تفسير الآية (37) من سورة الأنعام.
(¬3) انظر: المبسوط لابن مهران ص271.

الصفحة 449