كتاب شرح المفصل لابن يعيش (اسم الجزء: 4)

أن "الرجل" ليس مكانًا للعيب في الحقيقة، ولا اليد مكانًا للدار. وتقول: "أتيته في عُنفُوانِ شَبابه، وفي أمْره ونَهْيِه"، فهو تشبيةٌ، وتمثيلٌ، أي: هذه الأُمور قد أحاطت به.
وكذلك: "نَظَرَ في الكتاب"، و"سَعَى في الحاجة"، جعل "الكتاب" مكانًا لنَظَره، و"الحاجة" مكانًا لسَعْيه، إذ كان مختصًّا بها. ومن ذلك قولهم: "في هذا الأمر شَكٌّ"، جُعل "الأمر" كالمكان لاشتماله على الشكّ. ومنه قوله تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} (¬1) رَاجعٌ إلى ما ذكرنا، أي: شكّ مختصٌّ به، وإنّما أُخرج على طريق البلاغة هذا المُخْرَجَ، فكأنّه قيل: "أفي صفاته شكٌّ؟ " ثمَّ أُلغيت الصفات للإيجاز. وإنما قلنا هذا، لأنه لا يجوز عليه سبحانه تشبيةٌ لا حقيقةً، ولا بلاغةً، ولهذا كان على تقديرِ: أفي صفاته الدالّةِ عليه شك.
وأما قوله تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} (¬2)، فليست في معنى "عَلى" على ما يظنّه مَن لا تحقيقَ عنده، وإنّما لمّا كان الصلب (¬3) بمعنى الاستقرار والتمكّن، عُدّي بـ "في" كما يُعدَّى الاستقرار، فكما يُقال: "تمكّن في الشجرة"، كذلك ما هو في معناه، نحوُ قول الشاعر [من الكامل]:
1071 - بَطَلٌ كأنّ ثِيابَه في سَرْحَةٍ ... يُحْذَى نِعالَ السِّبْتِ ليس بتَوْأمِ
¬__________
(¬1) إبراهيم: 10.
(¬2) طه: 71.
(¬3) في طبعة ليبزغ: "وإنما كان الصلب" وفي الطبعة المصريّة: "ولما كان الصلب" .. ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
1071 - التخريج: البيت لعنترة في ديوانه ص 212؛ وأدب الكاتب ص 506؛ والأزهية ص 267؛ وجمهرة اللغة ص 512، 1315؛ وخزانة الأدب 9/ 485، 490؛ وشرح شواهد المغني 1/ 479؛ والمنصف 3/ 17؛ وبلا نسبة في الخصائص 2/ 312؛ ورصف المباني ص 389؛ وشرح الأشموني 2/ 292.
اللغة: السرحة: الشجرة العظيمة العالية. يحذى: يلبس حذاء. السبت: الجد المدبوغ بالقرظ؛ والقرظ ورق شجر السَّلم يُدبغ به الأدَمُ.
المعنى: إنه بطل صنديد، عظيم الجسم، ثيابه صغيرة قياسًا على علوّ همته، كأنّها معلّقة على شجرة، يلبس النعال الجلدية المدبوغة بالقرظ (أي هو غني من الأشراف)، لا مثيل له.
الإعراب: "بطل": خبر مرفوع بالضمّة لمبتدأ محذوف، بتقدير: (هو بطل). "كأن": حرف مشبّه بالفعل. "ثيابه": اسم "كأنّ" منصوب بالفتحة، والهاء: ضمير متصل في محلّ جرّ مضاف إليه. "في سرحة": جار ومجرور متعلقان بخبر "كأنّ" المحذوف، بتقدير: (كأنّ ثيابه معلّقة في سرحة). "يُحذى": فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمّة مقدّرة على الألف، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: هو. "نعال": مفعول به ثان منصوب بالفتحة. "السبت": مضاف إليه مجرور بالكسرة. "ليس": فعل ماض ناقص، واسمه ضمر مستتر تقديره: هو. "بتوأم": الباء: حرف جرّ زائد، "توأم": مجرور لفظًّا منصوب محلًا على أنه خبر "ليس".
جملة "هو بطل": ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة "كأن ثيابه ... ": في محل رفع صفة لـ"بطل". وجملة "يحذى": في محل رفع صفة ثانية لـ "بطل".=

الصفحة 472