كتاب تفسير القاسمي = محاسن التأويل (اسم الجزء: 4)

قال: والفصل يكون في القضاء، لا في القصص. وأجاب أبو عليّ الفارسي. فقال:
القصص هاهنا بمعنى القول، وقد جاء الفصل في القول. قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق: 13] . وقال: أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: 1] وقال:
نُفَصِّلُ الْآياتِ [الأعراف: 32] . انتهى.
قال الشهاب: معنى (يقصه) أي يبيّنه بيانا شافيا، وهو عين القضاء.

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 58]
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ أي: لو أن في قدرتي وإمكاني العذاب الذي تتعجلونه، بأن يكون أمره مفوضا إليّ من قبله تعالى، لقضي الأمر بيني وبينكم، بأن ينزل ذلك عليكم إثر استعجالكم.
وفي (العناية) : قضي الأمر بمعنى قطع. وقضاؤه كناية عن إهلاكهم.
قال أبو السعود: وفي بناء الفعل للمفعول من الإيذان بتعيين الفاعل، الذي هو الله تعالى، وتهويل الأمر، ومراعاة حسن الأدب- ما لا يخفى. فما قيل في تفسيره:
لأهلكتكم عاجلا، غضبا لربي، واقتصاصا من تكذيبكم به، ولتخلصت سريعا- بمعزل من توفية المقام حقه.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ اعتراض مقرر لما أفادته الجملة الامتناعية، من انتفاء كون أمر العذاب مفوضا إليه صلى الله عليه وسلم، المستتبع لانتفاء قضاء الأمر، وتعليل له.
والمعنى: والله تعالى أعلم بحال الظالمين، وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج، لتشديد العذاب، ولذلك لم يفوض الأمر إليّ، فلم يقض الأمر بتعجيل العذاب. انتهى.

تنبيه:
قال ابن كثير: فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية، وبين ما
ثبت في الصحيحين «1» عن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله! هل أتى عليك
__________
(1) أخرجه البخاري في: بدء الخلق، 7- باب إذا قال أحدكم آمين في السماء، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه، الحديث رقم 1525.
وأخرجه مسلم في: الجهاد والسير، حديث 111.

الصفحة 379