كتاب الطبقات الكبرى ط العلمية (اسم الجزء: 4)

اتَّفَقَ عَلَى أَمْرٍ نَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ. فَقَالَ عَمْرٌو: صَدَقَ وَبَرَّ وَنِعْمَ النَّاظِرُ لِلإِسْلامِ وَأَهْلِهِ. فَتَكَلَّمْ يَا أَبَا مُوسَى. فَأَتَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَخَلا بِهِ فَقَالَ: أَنْتَ فِي خُدْعَةٍ.
أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لا تَبْدَأْهُ وَتَعَقَّبْهُ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ أَعْطَاكَ أَمْرًا خَالِيًا ثُمَّ يَنْزِعَ عَنْهُ عَلَى مَلإٍ مِنَ النَّاسِ وَاجْتِمَاعِهِمْ. فَقَالَ الأَشْعَرِيُّ: لا تَخْشَ ذَلِكَ. قَدِ اجْتَمَعْنَا وَاصْطَلَحْنَا.
فَقَامَ أَبُو مُوسَى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ نَظَرْنَا فِي أَمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَلَمْ نَرَ شَيْئًا هُوَ أَصْلَحُ لأَمْرِهَا وَلا أَلَمُّ لِشَعَثِهَا مِنْ أَنْ لا نَبْتَزَّ أُمُورَهَا وَلا نَعْصِبَهَا حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ رَضًى مِنْهَا وَتَشَاورٍ. وَقَدِ اجْتَمَعْتُ أَنَا وَصَاحِبِي عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ. عَلَى خَلْعِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَتَسْتَقْبِلُ هَذِهِ الأُمَّةُ هَذَا الأَمْرَ فَيَكُونُ شُورَى بَيْنَهُمْ يُوَلُّونَ مِنْهُمْ مَنْ أَحَبُّوا عَلَيْهِمْ. وَإِنِّي قَدْ خَلَعْتُ عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ فَوَلُّوا أَمْرَكُمْ مَنْ رَأَيْتُمْ. ثُمَّ تَنَحَّى. فَأَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا قَدْ قَالَ مَا قَدْ سَمِعْتُمْ وَخَلَعَ صَاحِبَهُ وَإِنِّي أَخْلَعُ صَاحِبَهُ كَمَا خَلْعَهُ وَأُثْبِتُ صَاحِبِي معاوية فإنه ولي ابن عَفَّانَ وَالطَّالِبُ بِدَمِهِ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِمَقَامِهِ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: وَيْحَكَ يَا أَبَا مُوسَى مَا أَضْعَفَكَ عَنْ عَمْرٍو وَمَكَائِدِهِ! فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَمَا أَصْنَعُ؟ جَامَعَنِي عَلَى أَمْرٍ ثُمَّ نَزَعَ عَنْهُ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا ذَنْبَ لَكَ يَا أَبَا مُوسَى. الذَّنْبُ لِغَيْرِكَ. لِلَّذِي قَدَّمَكَ فِي هَذَا الْمَقَامِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: رَحِمَكَ اللَّهُ غَدَرَنِي فَمَا أَصْنَعُ؟ وَقَالَ أبو موسى لعمرو: إنما مثلك ك الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّمَا مَثَلُكَ مَثَلُ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً. فقال ابن عمر: إلى م صَيَّرْتَ هَذِهِ الأُمَّةَ؟ إِلَى رَجُلٍ لا يُبَالِي مَا صَنَعَ وَآخَرَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: لَوْ مَاتَ الأَشْعَرِيُّ مِنْ قبل هذا كان خيرا لَهُ.
قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ عَمْرٌو يَقُولُ لِمُعَاوِيَةَ حِينَ خَرَجَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى عَلِيٍّ: كَيْفَ رَأَيْتَ تَدْبِيرِي لَكَ حَيْثُ ضَاقَتْ نَفْسُكَ مُسْتَهْزِئًا عَلَى فَرَسِكَ الْوَرْدُ تَسْتَبْطِئُهُ فَأَشَرْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَعَرَفْتُ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَهْلُ شِبْهٍ وَأَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ عَلَيْهِ. فَقَدِ اشْتَغَلَ عَنْكَ عَلِيٌّ بِهِمْ وَهُمْ آخِرُ هَذَا قَاتِلُوهُ. لَيْسَ جُنْدٌ أَوْهَنُ كَيْدًا مِنْهُمْ.
قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ قَالا: لَمَّا صَارَ الأَمْرُ في بدي مُعَاوِيَةَ اسْتَكْثَرَ طُعْمَةَ مِصْرَ لِعَمْرٍو مَا عَاشَ وَرَأَى عَمْرٌو أَنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ قَدْ

الصفحة 194

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text