كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 171
المبالغة أشارة إلى أن عادته تعالى جرت بأنه إنما ينصر أولياءه بعد طول الامتحان بعظيم البلاء ليتبين الصادق من الكاذب
77 ( ) حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ( ) 7
[ البقرة : 214 ]
77 ( ) حتى إذا استيئس الرسل ( ) 7
[ يوسف : 110 ] ،
77 ( ) الم أحسب الناس أن يتركوا ( ) 7
[ العنكبوت : 2 ] وذلك أنه لا شيء أشق على النفوس من مفارقة المألوف لا سيما إن كان ديناً ولا سيما إن كان قد درج عليه الأسلاف ، فلا يقوم بالدعاء إلى الدين إلا من بلغ الذروة في الصبر .
ولما ذكر ما أمربه موسى عليه السلام ، وكان قد تقدم أمره في الشريف إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالاقتداء بالأنبياء الذين هو من رؤوسهم وأولي عزمهم ، كان كأنه قيل : فبين أنت للناس ما نزل إليهم وذكرهم بأيام الله اقتداء بأخيك موسى عليه السلام ) و ( اذكر لهم خبره فإن أيامه من أعظم أيام الله : أشدها محنة وأجلها منحة ) إذ قال موسى ( امتثالاً لما أمرناه به ) لقومه ( مذكراً لهم بأيام الله معهم ثم أيامه مع غيرهم .
ولما كان المراد بالتذكير بالأيام زيادة الترغيب والترهيب ، أشار إلى أن مقام الترهيب هنا أهم للحث على تركهم الضلال بترك عادته في الترفق بمثل ما في البقرة والمائدة من الاستعطاف بعاطفة الرحم بقوله : ( ياقوم ( فأسقطها هنا إشارة إلى أن المقام يقتضي الإبلاغ في الإيجاز في التذكير للخوف من معاجلتهم بالعذاب فقال : ( ذكروا نعمة الله ) أي ذي الجلال والإكرام ، وعبر بالنعمة عن الإنعام حثاً على الاستدلال بالأثر على المؤثر ) عليكم ( ثم أبدل من ( نعمة ) قوله : ( إذ ( وهو ظرف النعمة .
ولما كانوا قد طال صبرهم جداً بما طال من بلائهم من فرعون على وجه لا يمكن في العادة خلاصهم منه ، وإن أمكن على بعد لم يكن إلا في أزمنة طوال جداً بتعب شديد ، أشار إلى أسراعه بخلاصهم بالنسبة إليه لوجرى على مقتضى العادة جزاء لهم على طول صبرهم ، فعبر بالإفعال دون التفعيل الذي اقتضاه سياق البقرة فقال : ( أنجاكم من ( بلاء ) آل فرعون ) أي فرعون نفسه وأتباعه وأوليائه ؛ قال في القاموس : ولا يستعمل إلا لما فيه شرف غالباً ، فكأنهم قالوا : من أيّ بلائهم ؟ فقال : ( يسومونكم ) أي يكلفونكم ويولونكم على سبيل الاستهانة والقهر ) سوء العذاب ( بالاستعباد .
ولما كان السياق للصبر البليغ ، اقتضى ذلك العطف في قوله : ( ويذبحون ) أي تذبيحاً كثيراً مميتاً - بما أفاده تعبير الأعراف بالقتل ، ومعرفاً بإعادة التعبير بالذبح أن الموت بالسكين ) أبناءكم ويستحيون ) أي يطلبوا أن يحيوا ) نساءكم ( لإفادة أن ذلك

الصفحة 171