كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 178
تسكيناً لقلوبهم وتسلية لنفوسهمن وأكد لما - لمن ينظر كثرة الكفاروقوتهم - من التوقف في مضمون الخبر ولا سيما إن كان كافراً ، قائلاً : ( لنهلكن ( بما لنا من العظمة المقتضية لنفوذ الأمر ؛ والإهلاك : إذهاب الشيء إلى حيث لا يقع عليه الإحساس ) الظالمين ) أي العريقين في الظلم ، وربما تبنا على بعض من أخبرنا عنه بأنه كفر ، وهو من لم يكن عريقاً في كفره الذي هو أظلم الظلم ) ولنسكننكم ) أي دونهم ) الأرض ) أي مطلقها وخصوص أرضهم ، وأشار إلى عدم الخلود بالجار فقال : ( من بعدهم ( بأن نورثكموها سواء قدرناهم على إخراجكم أم لا ، فكأنه قيل : هل ذلك خاص بهم ؟ فقيل : لا ، بل ) ذلك ) أي الأمر العالي المرام ) لمن خاف مقامي ) أي المكان الذي يقوم فيه من أحاسبه : ماذا تكون عاقبته فيه ، وهو أبلغ من : خافني ، ) وخاف وعيد ( لا بد أن أهلك ظالمه وأسكنه أرضه بعده ، فاستبشروا بذلك الوعد من الله تعالى ) واستفتحوا ( على أعدائهم فأفلحوا وأنجحوا ) وخاب كل جبار عنيد ( فأهلكناهم كلهم ، وكان لنا الغنى والحمد بعد إهلاكهم كما كان قبله ؛ والعناد : الامتناع من الحق مع العلم به كبراً وبغياً ، من عند عن الحق عنوداً ، والجبرية : طلب علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في الصفة ، فهو ذم للعبد من حيث إنه طالب ما ليس له ؛ ثم أتبعه ما هو كدليل على خيبته من أن سيره إلى ما أمامه من العذاب ، فهو واقع فيه لا محالة وهو يشعر ، وعبر عن غفلته عنه بقوله : ( من ورائه جهنم ) أي لا بد أنه يتبوأها .
ولما كان المرجع وجود السقي للصديد مطلقاً ، بني للمفعول قوله : ( ويسقى ) أي فيها ) من ماء صديد ( وهو غسالة أهل النار كقيحهم ودمائهم ) يتجرعه ) أي يتكلف بلعه شيئاً فشيئاً لمرارته وحرارته ، فيغص به ويلقى منه من الشدة ما لا يعلم قدرة الله إلا الله ) ولايكاد يسيغه ( ولا يقرب من إساغته ، فإن الإساغة جر الشيء في الحلق على تقبل النفس ) ويأتيه الموت ) أي أسبابه التي لو جاءه سبب منها في الدنيا لمات ) من كل مكان ( والمكان : جوهر مهيأ للاستقرار ، فهو كناية عن أنه يحصل له من الشدائد ما يميت من قضى بموته ) وما هو بميت ) أي بثابت له الموت أصلاً .
لأنا قضينا بدوام حياته زيادة في عذابه ، والموتك عرض يضاد الإدراك في البنية الحيوانية ) ومن ورائه ) أي هذا الشخص ، بعد ذلك في يوم الجزاء الذي لا بد منه ، وما خلقنا السماوات والأرض إلا من أجله ) عذاب غليظ ( يأخذه في ذلك اليوم - مع ما قدمته له في الدنيا - وهو غافل عنه أخذ ما يكون من وراء ، فيكون أشد كما هو الحال الآتي بغتة ، أو يكون المعنى أن من بعد هذا العذاب في جهنم عذاباً آخر ، لا تحتمل عقولكم وصفه بأكثر من الغلظ .
فلما فرغ من محاوراتهم ، وما تبعها مما بين فيه أنه لا يغنيهم من بطشه شيء ،

الصفحة 178