كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 184
ولما كانت لا تسر إلا بالثبات ، قال : ( أصلها ثابت ) أي راسخ في الأرض آمن من الاجتثاث بالرياح ونحوها ) وفرعها ( عالٍ صاعد مهتز ) في ( جهة ) السماء ( لحسن منبتها وطيب عنصرها ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر ( ثابت ) أولاً دال على عال صاعد ثانياً ، وذكر ( السماء ) ثانياً دال على الأرض أولاً .
ولما ذكر حالها ، ذكر ثمرتها فقال : ( تؤتي أكلها ) أي ثمرتها بحسن أرضها ودوام ريّها ) كل حين ( على أحسن ما يكون من الإيتاء ، لأن علوها منعها من عفونات الأرض وقاذورات الأبنية ، فكانت نقية من شوائب الأدناس .
ولما كان الشيء لا يكمل إلا بكمال مربيه قال : ( بإذن ربها ( فهي بحيث لا يستجيز عاقل أن يتسبب في إفسادها ، ومن سعى في ذلك منعه أهل العقول ولو وصلوا إلى بذل النفوس ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال ) أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها [. .. . ] ، تؤتي أكلها كل حين ، ( قال ابن عمر رضي الله عنهما : فوقع في نفسي أنها النخلة ، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمانن فكرهت أن أتكلم ، فلما لم يقولوا شيئاً قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( هي النخلة ، ( فلما قمنا قلت لعمر : يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة ، فقال : ما منعك أن تكلم ؟ قال : لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم ، قال عمر : لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا ) .
ثم نبه سبحانه على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد منه فيلزم ، فقال : ( ويضرب الله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ) الأمثال للناس ) أي الذين يحتاجون إلى ذلك لاضطراب آرائهم ، لأن في ضربها زيادة إفهام وتصوير للمعاني ، لأن المعاني الصرفة إذا ذكر مناسبها من المحسوسات ارتسمت في الحس والخيال والوهم ، وتصورت فتركت هذه القوى المنازعة فيها ، فيحصل الفهم التام والوصول إلى المطلوب ) لعلهم يتذكرون ) أي ليكون حالهم حال من يرجى له غاية التذكر - بما أشار إليه الإظهار ، فهذا مثل كلام الأولياءن فكلمتهم الطيبة كلمة التوحيد التي لا أطيب منها ، وهي أصل كل سعادة راسخة في قلوبهم ، معرقة في كل عرق منهم أوجب إعراقها أن بسقت فروعها التي هي الأعمال الدينية من أعمال القلوب والجوارح ، فصارت كلما

الصفحة 184