كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 190
السلام للدلالة على تبديلهم النعمة ظلماً منهم وكفراً ، في أسلوب دال على البعث ، مشير إلى وجوب براءتهم من الأصنام حيث كان محط حالهم فيها تقليد الآباء وهو أعظم آبائهم ، وإلى ما سنه لهم من إقامتهم الصلاة وشكرهم لنعمه بالانفاق وغيره ، فقال ناعياً عليهم - مع المخالفة لصريح العقل وقاطع النقل عقوق أبيهم الأعظم ، عطفاً على ) قل لعبادي الذين آمنوا ( أو على ) وإذ قال موسى لقومه ( : ( وإذا ) أي واذكر لهم مذكراً بأيام الله خبر إبراهيم إذ ) قال إبراهيم رب ) أي أيها المحسن إليّ بإجابة دعائي في جعل القفر الذي وضعت به ولدي بلداً عظيماً .
ولم كان السياق لإخراج الرسل من محالهم ، وكان ذلك مفهماً لأن المحل الذي يقع الإخراج منه بلد يسكن فيه ، واتبعه سبحانه بأن المعترضين نعمة الله - بما أسكن فيه من الأمن بعد جعله له بلداً - بما أحدثوا فيه من الإخافة لخير أهله ، ومن الإنذار لمن أنعم عليهم بكل ما فيه من الخير ، كان الأنسب تعريفه فقال : ( اجعل هذا البلد ) أي الذي يريدون إخراج الرسول منه ) آمناً ) أي ذا أمن بأمان أهله ، وكأن هذا الدعاء صدر منه بعد أن سكن الناس مكة وصارت مدينة ، والذي في البقرة كان حيث وضع ابنه مع أمه وهي خالية عن ساكنن فدعا أن يجعلها الله بلداً ، وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة بالأمن ، وهو سكون النفس إلى زوال الضر .
ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان ، أتبعه بالدعاء بالأمن من فساد الأديان ، فقال : ( واجنبني ) أي اصرفني ) وبني ) أي لصلبي ، وأسقط البنات إشارة إلى الاستقلال ، وإنما هن تابعات دائماً ) أن نعبد ) أي عبادة مستمرة تكون موجبة للنار ) الأصنام ) أي اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها ، والصنم : المنحوت على خلقة البشر ، وما كان منحوتاً على غير خلقة البشر فهو وثن - قاله الطبري عن مجاهد ؛ تم بين زيادة الاهتمام بأمر الأصنام بإعادة النداء ، وأسقط الأداة - زيادة في التملق بكونه من أهل القرب والانقطاع إليه سبحانه معللاً لما قبله - في قوله : ( رب ( بإفراد المضاف إليه ليكون الكلام الواحد على نظام واحد ) إنهن أضللن ( إسناداً مجازي علاقته السببية ) كثيراً من الناس فمن ) أي فتسبب عن بغضي لهن أن أقول : من ) تبعني ( من جميع الناس في تجنبها ) فإنه مني ) أي من حزبي لكونه على طريقتي وديني ، فأتني ما وعدتني فيه من الفوز ) ومن عصاني ( فضل بها فقد استحق النار ، فإن عذبته فهو عبادك ، وإن

الصفحة 190