كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 191
غفرت له فأنت لذلك ، لأن أن تفعل ما تشاء ) فإنك غفور ) أي بليغ الستر ) رحيم ) أي بليغ الإكرام بعد ستر الذنوب ؛ وأكد للإعلام بزيادة رغبته في العفو لأنه لا ينقص به شيء من عزته سبحانه ولا حكمته - كما أشار إليه دعاء عيسى عليه السلام في المائدة .
ولما دعا بدرء المفاسد الناشئة من من نوعي الإنسان والشيطان بأمن البلد وإيمانه ذكر السبب الحامل له على تخصيصه بذلك مستجلباً للمصالح ، فقال : ( ربنا ) أي يا رب وربَّ من قضيت أنه يتبعني بتربيتك لنا أحسن تربية ) إني أسكنت ( وكأن الله سبحانه كان قد أخبره أنه يكثر نسله حتى يمونوا كالنجوم ، وذلك بعد البشارو بإسحاق عليه السلام فقال : ( من ذريتي ( وساقه مؤكداً تنبيهاً على أنه - لكونه على وجه لا يسمح به أحد - لا يكاد يصدق ، وللإعلام بأنه راغب فيه ) بواد ( هو مكة المشرفة لكونها في فضاء منخفض بين جبال تجري به السيول ) غير ذي زرع ( .
ولما نفي الرفد الدنيوي ، أثبت له الأخروي ، إشارة إلى أن الدارين ضرتان لا تجتمعان ، وكأن هذا الدعاء كان بعد بنائه البيت - كما تقدمت الإشارة إليه أيضاً بتعريف البلد ، فقال : ( عند بيتك المحرم ) أي الذي حرمت التعرض إليه ومنعته بالهيبة فلم يملكه أحد سواك ، وجُعل له حريم يأمن فيه الوحش والطير ؛ والكسنى : اتخاذ مأوى يسكن إليه متى شاء ، والوادي : سفح الجبل العظيم ، ومنه قيل للأنهار : أودية ، لأن حافاتها كالجبال لها ، والزرع : نبات ينفرش من غير ساق ؛ ثم بين غرضه من أسكانهم هناك فقال : ( ربنا ) أي أيها المحسن إلينا ) ليقيموا الصلاة ( ما أسكنتهم في هذا الوادي الموصوف إلا لهذا الغرض المنافي لعبادة غيرك ، ولأن أولى الناس بإقامتها حاضرو البيت المتوجه بها إليه .
ولما كان اشتغالهم بالعبادة وكونهم في ذلك الوادي أمرين بعيدين عن أسباب المعاش ، تسبب عنه قوله : ( فاجعل أفئدة ) أي قلوباً محترقة بالأشواق ) من الناس ) أي من أفئدة الذين هم أهل للاضطراب ، بكون احتراقها بالشوق مانعاً من اضطرابها ) تهوي ) أي تقصدهم فتسرع نحوهم برغبة وشوق إسراع من ينزل من حالق ؛ وزاد المعنى وضوحاً وأكده بحرف الغاية الدال على بعد لأن الشيء كلما بعد مدى مرماه اشتد وقعه فقال : ( إليهم ( ولما دعا لهم بالدين ، دعا لهم بالرزق المتضمن للدعاء لجيرانهم فقال : ( وارزقهم ) أي على يد من يهوي إليهم ) من الثمرات ) أي التي أنبتها في بلادهم ؛ وبين العلة الصالحة بقوله : ( لعلهم يشكرون ) أي ليكون حالهم حال من يرجى شكرهم لما يرون من نعمك الخارقة للعوائد في ذلك الموضع البعيد عن الفضل

الصفحة 191