كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 204
مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب ، أو كان الإنسان يخاف أن يندم على الشيء لوجب عليه اجتنابه ، والدليل عل أنه معنى التهدد قوله تعالى ) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ( انتهى .
فقد علم من هذا أنهم يطلقونها بمعنى القلة فيما يعلمون أنه كثير إرخاء للعنان وتنبيهاً على وجوب الأخذ بالأحوط ، وذلك واقع في التهديد ، وفرق كبير بين ما يعلم أنه كثير من أمر خارج عن العبارة المخبر بها عنه وبين ما تعرف كثرته من تلك العبارة ، وزيدت ما فيها تأكيداً من حيث إنها تفهم أن الأمرلا يكون إلا كذلك ، ولتهيئتها لمجيء الفعل بعدها ؛ قال الإمام أبوم حيان : والظاهر أن ما في رب ، مهيئة ، وذلك أنها من حيث هي حرف جر - على خلاف فيه - لا يليها إلا الأسماء ، فجيء بها مهيئة لمجيء الفعل بعدها ، وعلى كثرة مجيء رب في كلام العرب لم تجىء في القرآن إلا في هذا الموضع - انتهى .
ودخلت ههنا على المضارع - وهي للماضي - لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان ، أو لأن ( ما ) إذا لحقتها سوغت دخولها على المستقبل كما تدخل على المعرفة - قال الرماني .
ولما طرق لهم سبحانه الاحتمال ، كان كأنه قيل : هل جوزوه فأخذوا في الاستعداد له ؟ فقيل : بل استمروا على عنادهم ، فقال - مستأنفاً ملتفتاً إلى ما أشار إليه في أول سورة إبراهيم في قوله
77 ( ) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ( ) 7
[ إبراهيم : 3 ] من المانع لهم عن الإذعان - : ( ذرهم ( يا أعز الخلق عندنا كالبهائم ) يأكلوا ويتمتعوا ( والتمتع : التلذذ ، وهو طلب اللذة حالاً بعد حال كالتقرب في أنه طلب القرب حالاً بعد حال ) ويلههم ) أي يشغلهم عن أخذ حظهم من السعادة ) الأمل ) أي رجاءهم طول العمر وبلوغ ما يقدره الوهم من الملاذ من غير سبب مهيئ لذلك ولما كان هذا امراً لا يشتغل به إلا الأحمقن سبب عنه التهديد بقوله : ( فسوف يعلمون ) أي ما يحل بهم بعد ما فسحنا لهم من زمن التمتع .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : لما تقدم من وعيد الكفار ما تضمنه الآي المختتم بها سورة إبراهيم من لدن قوله سبحانه
77 ( ) ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ( ) 7
[ إبراهيم : 42 ] إلى خاتمتها ، أعقب ذلك بقوله : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) أي عند مشاهدة تلك الأحوال الجلائل ، ثم قال تعالى تأكيداً لذلك الوعيد ) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ( ثم أعقب تعالى : هذا ببيان ما جعله سنة في عباده من ارتباط الثواب والعقاب معجلة ومؤجلة بأوقات وأحيان ، لا انفكاك لها عنها ولا تقدم زوا تأخر ، إذ استعجال البطش في الغالب إنما يكون ممن يخاف الفوت ، والعالم بجملتهم لله تعالى وفي قبضته لا يفوته أحد منهم ولا يعجزه ،

الصفحة 204