كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 214
البحر .
فهذا دليل قطعي على أن الفاعل المخصص له بوقت دون وقت وأرض دون أخرى فاعل واحد مختار .
فلما تم ما أراد من آيتي السماء والأرض ، وختمه بشمول قدرته لكل شيء ، أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو بينهما مودعاً ف خزائن قدرته فقال : ( وأرسلنا ) أي بما لنا من التصريف الباهر ) الرياح ( جمع ريح ، وهي جسم لطف منبث في الجو سريع المر ) لواقح ) أي حوامل تحمل الندى ثم تمجه في السحاب التي تنشئها ، فهي حوامل للماء ، لواحق بالجو ، قوته على ذلك عالية حساً ومعنى ؛ والريح : هواء متحرك ، وحركته بعد أن كان ساكناً لا بد لها من سبب ، وليس هونفس كونه هواء ولا شيئاَ من لوازم ذاته ، وإلا دامت حركته .
فليست إلا بتحريك الفاعل الواحد المختار ) فأنزلنا ) أي بعظمتنا بسبب تلك السحائب التي حملتها الرياح ) من السماء ) أي الحقيقية أو جهتها أو السحاب ، لأن الأسباب المتراقية بسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى البعيد وأخرى إلى الأبعد ) ماء ( وهو جسم مائع سيال ، به حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء ) فأسقيناكموه ( جعلناه لكم سقياً ، يقال : سقيته ماء أي ليشربه ، وأسقيته أي مكنته منه ليسقى به ماشيته ومن يريد .
ونفي سبحانه عن غيره ما أثبته أولاً لنفسه فقال ) وما أنتم له ) أي ذلك الماء ) بخازنين ( والخزن : وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ ، فثبت أن القادر عليه واحد مختار .
ومادة ( لقح ) بتقاليبها الست تدور على اللحاق ، وتلزمه القوة والعلو حساً أو معنى ، فاللقاح اسم ماء الفحل - لأنه يلحق الأنثى فتحمله ، وقد ألقح الفحل الناقة ، ولقحت لقاحاً : حملت ، والملقوح : ما لقحته من الفحل ، أي أخذته ، وهي الملاقيح - يعني الأجينة ، واللقحة : الناقة الحلوب - لأنها أهل لأن يلحقها جائع ، وألقح القوم النخل ولقحوها - إذا ألحقوها بالفحالة فعلقوها عليها .
والقاحل : اليابس من الجلود ، لأن أجزاءه تلاحق بعضها ببعض فضمرت ، ومنه شيخ قاحل .
واللحق : كل شيء لحق شيئاً أي أدركه ، والملحق : الدعي - لأنه متهيئ لأنه يستلحقه كل من يريده ، والملحاق : الناقة التي لا يفوتها الإبل : قال الزبيدي في مختصر والحقل : القراح الطيب - لتهيئها لمن يلحق بها ، وقيل : هو الزرع إذا تشعب ورقة ، وهو من ذلك أيضاً ومن لحوقه بالحصاد فيصير كالمحلوق ، والحقيل : نبت ،

الصفحة 214