كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 228
فلما استثنوها من أن ينجّوها فكان أمرها محتملاً لأن تعذب ولأن ينجيها الله تعالى بسبب غيرهم ، تشوفت النفس للوقوف على ما قضى الله به من ذلك ، فقيل بإسناد الفعل إلى أنفسهم لما لهم من الاختصاص بالمقدر سبحانه : ( قدرنا ( ولما كان فعل التقديرمتضمناً للعلم ، علقه عن قوله : ( إنها ) أي امرأته ، وأكد لأجل ما أشير إليه هنا من عظيم تشوف الخليل عليه السلام إلى معرفة أمرهم وتشديد سؤاله ، في نجاة لوط عليه السلام وجميع آله - كما مضى التصريح به في هود - فطماً له عن سؤال في نجاتها بخلاف ما في النمل ، فإن سياقها عار عن ذلك ) لمن الغابرين ) أي الباقين الذين لا ينجون مع لوط عليه السلام ، بل تكون في الهلاك والعبرة ؛ والآل - قال الرماني : أهل من يرجعون إلى ولايته ، ولهذا يقال : أهل البلد ، ولا يقال آل البلد ، والتقدير : جعل الشيء على مقدار غيره لتظهر المساواة والمباينة ، والغابر : الباقي فيمن يهلك .
فلما تم ما أريد الإخبار عنه من تحاورهم مع إبراهيم عليه السلام ، أخبر عن أمرهم مع لوط عليه السلام ، فقال : ( فلما ( بالفاء الدالة على سرعة وصولهم إليه ، وكأنه ما اشتد إنكاره لهم إلا تشبه أحوال البشر فلذا قال : ( جاء آل لوط ) أي في منزله ) المرسلون ) أي لإهلاك قومه ) قال إنكم قوم ) أي أقوياء ) منكرون ( لا بد أن يكون عن إتيانكم إلى هذه البلدة شر كبير لأحد من أهل الأرض ، وهو معنى
77 ( ) سيء بهم ( ) 7
[ العنكبوت : 33 ] الآية ، فقدم حكاية إنكاره إياهم وإخبارهم عن العذاب لمثل ما تقدم في قصة إبراهيم عليه السلام من الزجر عن قولهم ) لو ما تأتينا بالملائكة ( المحتمل لإرادة جميع الملائكة ) إن كنت من الصادقين ( تعريفاً لهم بأن بعض الملائكة أتوا من كانا أكمل أهل ذلك الزمان على أجمل صور البشر ، مبشرين لهما ، ومع ذلك خافهم كل منهما ، فكيف لو كان منهم جمع كثير ؟ أم كيف لو كانوا على صورهم ؟ أم كيف لو كان الرائي لهم غيرهما ؟ أم كيف لو كان كافراً
77 ( ) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً ( ) 7
[ الفرقان : 22 ] ويجوز أن يكون قوله لهم هذه المقالة إنما كان عند إخبارهم به بأنهم رسل الله ، ويكون المعنى حينئذ أنكم لستم على صفة الآتي بالوحين فقد اشتد على أمركم ، لكوني لا أعرفكم مع الاستيحاش منكم ، وذلك بعد محاورته لقومه ثم مقارعتهم عنهم ، فكان خائفاً عليهم ، فلما أخبروه أنهم ملائكة خاف منهم أن يكونوا أتوا بشيء يكرهه ، وقد تقدم آنفاً أن الإخبار عما كان في حين من الأحيان لا يضر تقديم بعضه على بعض ولا إسقاط بعض وذكر آخر ، ولم يزد هنا الحرف الذي أصله المصدر ، وهو ( أن ) كما في العنكبوت ، لأن استنكاره لهم وإن كان مرتباً على مجيئهم إلا أنه ليس متصلاً بأوله بخلاف المساءة .

الصفحة 228