كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 234
ولما كان المتعنت ربما قال : ما له يخلقهم ثم يهلكهم وهو عالم حين خلقهم أنهم يكذبون ؟ وكانت هذه الآية ملتفتة - مع ما فيها من ذكر الأرض - إلى تلك التي أتبعها ذكر الخافقين ، استدلالاً على الساعة ، قال على ذلك النمط : ( وما خلقنا ) أي على عظمتنا ) السماوات ) أي على ما لها من العلو والسعة ) والأرض ( على ما بها من المنافع والغرائب ) وما بينهما ( من هؤلاء المكذبين وعذابهم ، ومن المياه والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ذلك ) إلا بالحق ) أي خلقاً ملتبساً بالحق ، فيتفكر فيه من وفقه الله فيعلم النشأة الأولى ، أوبسبب الحق من إثبات ثوابت الأمور ونفي مزلزلها ، لتظهر عظمتنا بإنصاف المظلوم من الظالم ، وإثابة الطائع وعقاب العاصي في يوم الفصل - إلى غير ذلك من الحكم كما قال تعالى
77 ( ) ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ( ) 7
[ النجم : 31 ] فمن أمهلناه في الدنيا أخذنا منه الحق بعد قيام الساعة ، فلا بد من فعل ذلك ) وإن الساعة لآتية ( لأجل إقامة الحق لا شك في إتيانها لحكم علمها سبحانه فيظهر فيها كل ذلك ، ويمكن أن يكون التقدير : فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ، وما فعلنا ذلك إلا بالأمر من قولنا ( كن ) وهو الحق ) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) أي بالأمر
77 ( ) ألا له الخلق والأمر ( ) 7
[ الأعراف : 54 ] يعني أنه لا مشقة علينا في شيء من ذلك ، وسنعدم ذلك بالحق إذا أردنا قيام الساعة ، وأن الساعة لآتيه ، لأنا قد وعدنا بذلك ، وليس بينكم وبين كونها إلا أن نريد فتكون كما كان غيرها مما أردناه ) فاصفح ) أي فأعرض - بسبب تحقق الأخذ بثارك - الإعراض ) الجميل ( بالحلم ولإغضاء وسعة الصدر ، في مثل قولهم ) ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ( فإنه لا بد من الأخذ لك منهم بالحق ولو لم يكن لك نصرة إلا في ذلك اليوم لكانت كافية ؛ ثم علل هذا الأمر بقوله : ( إن ربك ) أي المحسن إليك الآمر لك بهذا ) هو ) أي وحده ) الخلاّق ( المتكرر منه هذا الفعل في كل وقت بمجرد الأمر ، فلا عجب في إيجاد ما ينسب إليه من إبداع الساعة أو غيرها ، وهو لذلك عالم بأحوالكم أجمعين وما يكون منها صلاحاً لك على غاية الحكمة ، لأن المصور أعلم بالصورة من ناظرها والمتبصر فيها ، وصانع الشيء أدرى به من مشتريه ، وباني البيت أخبر به من ساكنه ، وهو الذي خلق كل ما تراه منهم فهو فعله فسلم له .
ولما كان إحكام المصنوعات لا يتم إلا بالعلم ، قال تعالى : ( العليم ) أي البالغ العلم بكل المعلومات ، فلا ترى أفعالهم وأقوالهم إلا منه سبحانه لأنه خالقها ، وقد علمت أنه لا يضيع مثقال ذرة فاعتمد عليه في أخذ حقك ، فإنه نعم المولى ونعم