كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 236
أهل الدنيا ؛ أو يقال : إنه لما كان المقصود لكل ذي لب إنما هو التبليغ بدار الفناء إلى دار البقاء ، المؤكد إتيانها في الآية السابقة ، وكان القرآن - كما تقدم - كفيلاً بذلك ، وسلاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عما يؤذونه من أقوالهم ، وتبين من ذلك علو درجته ، توقع السامع ذكر ما أسبغ عليه من النعم فقال تعالى ؛ أو يقال : إنه لما أمره سبحانه بالصبر على أذاهم ، علل ذلك مما معناه أنهم خلقه ، وأنه منفرد بالخلق ، وهو بليغ العلم بأفعالهم مريد لها ، فليس الفعل في الحقيقة إلا له ، وعلى المحب أن يرضى بفعل حبيبه من حيث إنه فعله ، ولما كان التقدير : فهو الذي خلقهم ، وعلم قبل خلقهم ما يفعلون ، عطف عليه تسلية له صلى عليه وعلى آله وسلم قوله ) ولقد آتيناك ) أي بما لنا من العظمة كما أتينا صالحاً ما تقدم ) سبعاً من المثاني ( يكون كل سبع منها كفيلاً بإغلاق باب من أبواب النيران السبعة ، وهي أم القرآن الجامعة لجميع معاني القرآن التي أمرنا بإعادتها في كل ركعة ، زيادة في حفظها ، وتبركاً بلفظها ، وتذكيراً لمعانيها ، تخصيصاً لها عن بقية الذكر الذي تكلفنا بحفظه ) و ( آتيناك ) القرآن العظيم ( الجامع لجميع معاني الكتب السماوية المتكفلة بخيري الدارين مع زيادات لا تحصى ، المشار إلى عظمته أول السورة بالتنوين ووصفه بأنه مبين للبراهين الساطعة على نبوتك ، والأدلة القاطعة على رسالتك ، الدالة على الله الموصلة إليه ، والآتيه مع ذلك دليل على العلم المختتم به ما قبلها ، فكأنه قيل : فماذا أعمل ؟ فقيل في معنى ) ذرهم يأكلوا ( : ( لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ( اكتفاء بهذا البلاغ العظيم الذي من تحلى به وأشربه قلبه أراه معايب هذه الدار فبغضه فيها وأشرف به على ما أمامه ) ولا تحزن عليهم ( لكونهم لم يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار ، ويقوى بهم جانب الإسلام ، وكأن هذا هو الصفح المأمور به ، وهو الإعراض عنهم أصلاً ورأساً إلا في أمر البلاغ .
ولما أمره في عشرتهم بما أمر ، أتبعه أمره بعشرة أصحابه رضي الله عنهم بالرفق واللين فقال تعالى : ( واخفض ) أي طأطئ ) جناحك للمؤمنين ) أي العريقين في هذا الوصف ، واصبر نفسك معهم ، واكتفِ بهم ، فإن الله جاعل فيهم البركة ، وناصرك ومعز دينك بهم ، وغير محوجك إلى غيرهم ، فمن أراد شقوته فلا تلتفت إليهم ، وهذا كناية عن اللين ، وأصله أن الطائر إذا ضم الفرخ إليه بسط جناحه ثم قبضه عليه - قاله أبو حيان ؛ وفي الجزء العاشر من الثقفيات عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ( المؤمن لين حتى تخاله من اللين أحمق ) .