كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 238
تقاسموا في بيات صالح ، أي أتينا أولئك الآيات المقتضية للإيمان فما كان منهم إلا التكذيب والتقاسم كما أنزلنا على هؤلاء الآيات فما كان منهم إلا ذلك ، وإنما عبر في أولئك ب ) ءاتيناهم ( لأن آياتهم الناقة وولدها والبئر ، وهي معطاة محسوسة ، لا منزلة معقولة ، وقال في هؤلاء أنزلنا إشارة إلى القرآن الذين هو أعظم الآيات ، أو إلى الجميع وغلب عليها القرآن لأنه أعظمها ، وإلى أنهم مبطلون في جحدهم وأنه لا ينبغي لهم أن يتداخلهم نوع شك في أنه منزل لأنه أعظم من تلك الآيات مع كونها محسوسات ، وأما اعتراض ما بينهما من الآيات فمن أعظم أفانين البلاغة ، فإنه لما أتم قصة صالح عليه السلام ، علم أنه المتعنتين ربما قالوا : لأيّ شيء يخلقهم ثم يهلكهم مع علمه بعدم إجابتهم ؟ فرد عليهم بأنه ما خلق ) السماوات والأرض وما بينهما ( من هؤلاء المعاندين ومن أفعالهم وعذابهم وغير ذلك ) إلا بالحق وأن الساعة لآتية ( فيعلم ذلك كله بالعيان من يشك فيه الآن ، وذلك حين يكشف الغطاء عن البصائر والأبصار فاصفح عنهم ، فإنه لا بد من الأخذ لك بحقك ، إن لم يكن في الدنيا ففي يوم الجمع ، ثم أكد التصرف بالحكمة بقوله ) إن ربك هو الخلاّق العليم ( ثم سلاه - عما يضيّقون به صدره من التكذيب بالساعة ، وأن الوعد بها إنما هو سحر ، ونحو ذلك من القول ، ومن افتخارهم بأموالهم ونسبته إلى الحاجة إلى المشي بالأسواق - بما آتاه من كنوز القرآن ، وأمره بأن يزيد في التواضع واللين للمؤمنين لتطيب نفوسهم فلا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا ، وأن ينذر الجميع ويحذرهم من سطوات الله أمثال ما أنزل بالأقدمين ، ثم عاد إليهم فشبههم بهؤلاء في التكذيب ليعلم أنهم أجدر منهم بالعذاب لأنهم مشبه بهم ، والمشبه به أعلى من المشبه ، وذلك لكونهم أشد كفراً لأن نبيهم أعظم وآياته أجل وأكثر ، وأجلى وأبهر ، فيكون ذلك سبب اشتداد حذرهم ، ولك أن تقول ولعله أحسن : إنه تعالى لما ذكر أن ثمود سكنوا الأرض سكنى الآمنين .
فأزعجتهم عنها صيحة سلبت أرواحهم ، وقلبت أشباحهم ، كما سيكون لأهل الأرض قاطبة بنفخة الصور ، عند نفوذ المقدور ، وكان قد قدم ذكر كثير مما في السماوات والأرض من الآيات والعبر بقوله تعالى ) ولقد جعلنا في السماء بروجاً ( وما بعد ذلك من الجن والإنس وغيرهما مما جعل ذكر اختراعه دليلاً على الساعة ، أتبع ذلك أن سبب خلق ذلك كله وما حواه من الخافقين إنما هو الساعة فقال ) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) أي بالأمر الثابت لا بالتمويه والسحر كما أنتم تشاهدون ، أو بسبب إقامة الحق وإبانته من الباطل إبانة لا شك فيها يوم الجمع الأكبر ، ومن إقامة الحق تنعم الطائع وتعذيب العاصي ، وذلك بعد إتيان الساعة بنفختي الصور ) وإن الساعة لآتيه بالحق ( أيضاً ، وليست سحراً

الصفحة 238