كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 240
ولما تم ذلك على هذا النظم الرصين ، والربط الوثيق المتين ، التفت الخاطرإلى حال من يندرهم ، وكان كفار قريش - في تقسيمهم القول في القرآن واقتسامهم طرق مكة لإشاعة ذلك البهتان ، تنفيراً لمن أراد الإيمان - أشبه شيء بالمقتسمين على صالح عليه السلام ، قال تعالى ) كما ) أي آتينا أولئك المقتسمين آياتنا فكانوا عنها معرضين ، مثل ما ) أنزلنا ( آياتنا ) على المقتسمين ) أي الذين تقاسموا برغبة كبيرة واجتهاد في ذلك ) الذين جعلوا القرآن عضين ) أي ذا أعضاء أي أجزاء متفاصلة متباينة مثل أعضاء الجزور إذا قطعت ، جمع عضة مثل عدة وأصلها عضوة ) فوربك لنسئلنهم أجمعين ) أي لا يمتنع علينا منهم أحد ) عما كانوا يعلمون فاصدع ) أي بسبب أمرنا لك بالإنذار وإخبارك أنا نسأل كل واحد عماعمل ) بما تؤمر وأعرض عن المشركين ( .
الحجر : ( 95 - 99 ) إنا كفيناك المستهزئين
) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( ( )
ولما كان هذا الصدع في غاية الشدة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكثرة ما يلقى عليه الأذى ، خفف عنه سبحانه بقوله معللاً له : ( إنا كفيناك ) أي بما لنا من العظمة ) المستهزءين ) أي شر الذين هم عريقون في الاستهزاء بك وبما جئت به ، فأقررنا عينك بإهلاكهم ، وزال عنك ثقل ما آذوك به ، وبقي لك أجره ، وسنكفيك غيرهم كما كفيناكهم ، ثم وصفهم بقوله : ( الذين يجعلون مع الله ) أي مع ما رأوا من آياته الدالة على جلاله ، وعظيم إحاطته وكماله ) إلهاً ( .
ولما كانت المعية تفهم الغيرية ، ولا سيما مع التعبير بالجعل ، وكان ربما تعنت منهم باحتمال التهديد على تألهه سبحان على سبيل التجريد ، أو على دعائه باسم غير الجلالة ، لما ذكر المفسرون في قوله ) ) قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ( ) [ الإسراء : 110 ] الآية آخر سبحان ، زاد في الصراحة بنفي كمال كل احتمال بقوله : ( ءاخر ( قال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : سجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يقول في سجوده : يا الله يا رحمن ، فقال أبو جهل : إن محمداً ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين ؟ فأنزل الله هذه الآية يعني آية سبحان ، وتسبب عن أخذنا للمستهزئين - وكانوا أعتاهم - أن يهدد الباقون بقولنا : ( فسوف يعلمون ) أي يحيط علمهم بشدة بطشنا وقدرتنا على ما نريد ، ليكون وازعاً لغيرهم ، أو يعلم المستهزئون وغيرهم عاقبة أمورهم في الدارين .