كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 246
ولما كان - مع مشاركته لغيره من الحيوان في كونه من نطفة - متميزاً بالنطق المستند إلى ما في نفسه من عجائب الصنع ولطائف الإدراك ، كان ذلك أدل دليل على كما قدرة الفاعل واختياره ، فقال تعالى : ( فإذا هو ) أي الإنسان المخلوق من الماء المهين ) خصيم ) أي منطيق عارف بالمجادلة ) مبين ) أي بين القدرة على الخصام ، وموضح لما يريده غاية الإيضاح بعد أن كل ما لاحسّ به ولا حركة اختيارية عنده بوجه ، أفلا يقدر الذي ابتدأ ذلك على إعادته ولما صار التوحيد بذلك الشمس ، وكان كل ما في الكون - مع أنه دال على الوحدانية - نعمة على الإنسان يجب عليه شكرها ، شرع يعدد ذلك تنبيهاً له على وجوب الشكربالتبرؤ من الكفر ، فقال مقدماً الحيوانات لأنها أشرف من غيرها ، وقدم منها ما ينفع الإنسان لأنه أجلّ من غيره .
مبتدئاً بما هو أولاها بالذكر لأنه أجلّها منفعة في ضرورات المعيشة وألزمها لمن أنزل الذكر بلسانهم : ( والأنعام ) أي الأزواج الثمانية : الضأن والمعز والإبل والبقر ) خلقها ( غير ناطقة ولا مبينة مع كونها أكبر منكم خلقاً وأشد قوة .
ولما كان أول ما يمكن أن يلقى الإنسان عادة من نعمها اللباس ، بدأ به ، فقال على طريق الاستئناف : ( لكم فيها دفء ) أي ما يدفأ به فيكون منه حر معتدل من حر البدن الكائن بالدثار بمنع البرد ، وثنى بما يعم جميع نعمها التي منها اللبن فقال : ( ومنافع ( ثم ثلث بالأكل لكونه بعد ذلك فقال تعالى : ( ومنها تأكلون ( وقدم الظرف دلالة على أن الأكل من غيرها بالنسبة إلى الأكل منها مما لا يعتد به ، ثم تلاه بالتجمل لأنه النهاية لكونه للرجال فقال تعالى : ( ولكم ) أي أيها الناس خاصة ) فيها ) أي الأنعام ) جمال ) أي عظيم .
ولما كان القدوم أجل نعمة وأبهج من النزوج ، قدمه فقال : ( حين يريحون ( بالعشي من المراعي وهي عظيمة الضروع طويلة الأسنمة ) وحين تسرحون ( بالغداة من المُراح إلى المراعين فيكون لها في هاتين الحالتين من الحركات منها ومن رعاتها ومن الحلب والتردد لأجله وتجاوب الثغاء والرغاء أمر عظيم وأنس لأهلها كبير .
النحل : ( 7 - 8 ) وتحمل أثقالكم إلى. .. . .
) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ( ( )
ولما كانت الأسفار بعد ذلك ، تلاه بقوله تعالى : ( وتحمل ) أي الأنعام ) أثقالكم ) أي أمتعتكم مع المشقة ) إلى بلد ) أي غير بلدكم أردتم السفر إليه ) لم