كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 251
ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة كما قدر على الابتداء ، وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده .
ولما كان ذلك ممن يحس ، وكان شغل الحواس بمنفعته - لقربه وسهولة ملابسته - ربما شغل عن الفكر في المراد به ، فكان التفطن لدلالته يحتاج إلى فضل تأمل ودقة نظر ، قال تعالى : ( لقوم يتفكرون ) أي في أن وحدته وكثرة ما يتفرع عنه دليل على وحدة صانعه وفعله بالاختيار ، وأفراد الآية لوحدة المحدث عنه ، وهو الماء - كما قال تعالى في آية ) ) تسقى بماء واحد ( ) [ الرعد : 4 ] وسيأتي في آية النحل كلام الإمام أبي الحسن الحرالي في هذا .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هذه السورة في التحامها بسورة الحجر مثل الحجر بسورة إبراهيم من غير فرق ، لما قال تعالى ) ) فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون ( ) [ الحجر : 92 ] وقال تعالى بعد ذلك في وعيد المستهزئين ) فسوف يعلمون ( أعقب هذا بيان تعجيل الأمر فقال تعالى ) ) أتى أمر الله فلا تستعجلوه ( ) [ النحل : 1 ] وزاد هذا بياناً قوله ) سبحانه وتعالى عما يشركون ( فنزه سبحانه نفسه عما فاهوا به في استهزائهم وشركهم وعظيم بهتهم ، وأتبع ذلك تنزيهاً وتعظيماً فقال تعالى ) خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ( ثم أتبع ذلك بذكر ابتداء خلق الإنسان وضعف جبلته ) خلق الإنسان من نطفة ( ثم أبلغه تعالى حداً يكون فيه الخصام والمحاجة ، كل ذلك ابتلاء منه واختبار ليميز الخبيث من الطيب ، وأعقب هذا بذكر بعض ألطافه في خلق الأنعام وما جعل فيها من المنافع المختلفة ، وما هو سبحانه عليه من الرأفة والرحمة اللتين بهما أخر العقوبة عن مستوجبها ، وهدى من لم يستحق الهداية بذاته بل كل هداية فبرأفة الخالق ورحمته ، ثم أعقب ما ذكره بعد من خلق الخيل والبغال والحمير وما في ذلك كله بقوله ) ولو شاء لهداكم أجمعين ( فبين أن كل الواقع من هداية وضلال خلقه وفعله ، وأنه أوجد الكل من واحد ، وابتدأهم ابتداء واحداً ) خلق الإنسان من نطفة ( فلا بعد في اختلاف غاياتهم بعد ذلك ، فقد أرانا سبحانه مثال هذا الفعل ونظيره في قوله ) وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومن شجر - إلى قوله : لآية لقوم يتفكرون ( انتهى .
النحل : ( 12 - 13 ) وسخر لكم الليل. .. . .
) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( ( )

الصفحة 251