كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 252
ولما كان ربما قال بعض الضلال : إن هذه الأشياء مستندة إلى تأثير الأفلاك ، نبه على أنها لا تصلح لذلك بكونها متغيرة فلا بد لها من قاهر أثر فيها التغير ، ولا يزال الأمر كذلك إلى أن ينتهي إلى واحد قديم فاعل بالاختيار ، لما تقرر من بطلان التسلسل ، فقال تعالى : ( وسخر لكم ) أي أيها الناس لإصلاح أحوالكم ) الَّيل ( للكسنى ) والنهار ( للابتغاء ؛ ثم ذكر آية النهار فقال تعالى : ( والشمس ) أي لمنافع اختصها بها ، ثم ذكر آية الليل فقال : ( والقمر ( لأمور علقها به ) النجوم ) أي لآيات نصبها لها ، ثم نبه على تغيرها بقوله : ( مسخرات ) أي بأنواع التغير لما خلقها له على أوضاع دبرها ) بأمره ( سبباً لصلاحكم وصلاح ما به قوامكم ، دلالة على وحدانيته وفعله بالاختيار ، ولو شاء لأقام أسباباً غيرها أو أغنى عن الأسباب .
ولما كان أمرها مع كونه محسوساً - ليس فيه من المنافع القريبة الأمر السهلة الملابسة ما يشغل عن الفمر فيه ، لم يحل أمره إلى غير مطلق العقل ، إشارة إلى وضوحه وإن كان لا بد فيه من استعمال القوة المفكرة ، ولأن الآثار العلوية أدل على القدرة الباهرة ، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة ، فقال : ( إن في ذك ) أي التسخير العظيم ) لآيات ) أي كثيرة متعددة عظيمة ) لقوم يعقلون ( وجمع الآيات لظهور تعدادها بالتحديث عنها مفصلة .
ولما كان ما مضى موضعاً للتفكر المنتج للعلم بوحدة الصانع واخيتاره ، وكان التفكر في ذلك مذكراً لما بعده من سر التفاوت في اللون الذي لا يمكن ضبط أصنافه على التحرير ، وكان في ذلك تمام إبطال القول بتأثبر الأفلاك والطبائع ، لأن نسبتها إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة ، قال تعالى عطفاً على الليل : ( وما ذرأ ) أي خلق وبث وفرق التراب والماء ) لكم ) أي خاصة ، فاشكروه واعلموا أنه ما خصكم بهذا التدبير العظيم إلا لحكم كبيرة أجلَّها إظهار جلاله يوم الفصل ) في الأرض ) أي مما ذكر ومن غيره حال كونه ) مختلفاً ألوانه ( حتى في الورقة ، الواحدة ، فترى أحد وجهيها - بل بعضه - في غاية الحمرة ، والآخر في غاية السواد أو الصفرة ونحو ذلكن فلو كان المؤثر موجباً بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار ، فعلم قطعاً أنه إنما هو قادر مختار ، ولم يذكر اختلاف الصور لأن دلالتها - لأجل اختلاف أشكال النجوم من السماء وصور الجبال والروابي والوهاد من الأرض - ليست على إبطال الطبيعة كدلالة اختلاف اللون .
ولما كان ذلك - وإن خارجاً عن الحد في الانتشار - واحداً من جهة كونه لوناً ، وحد الآية فقال : ( إن في ذلك ( الذي ذرأه في هذه الحال على هذا الوجه العظيم