كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 254
في ابتغاء الصواب ، فقال : ( وترى الفلك ( ولما كان النظر إلى تعداد النعم هنا أتم منه في سورة فاطر ، قدم المخر في قوله : ( مواخر فيه ) أي جواري تشق الماء مع صوت ، لتركبوها فتستدلوا - بعدم رسوبها فيه مع ميوعه ورقته وشدة لطافته - على وحدانية الإله وقدرته .
ولما علل التسخير بمنفعة البحر نفسه من الأكل وما تبعه ، عطف على ذلك النفع به ، فقال تعالى : ( ولتبتغوا ) أي تطلبوا طلباً عظيماً بركوبه ) من فضله ) أي الله بالتوصل بها إلى البلدان الشاسعة للمتاجر وغيرها ) ولعلكم تشكرون ( هذه النعم التي أنتم عاجزون عنها لولا تسخيره ؛ والمخر : شق الماء عن يمين وشمال ، وهو أيضاً صوت هبوب الريح إذا اشتد هبوبها ، وقد ابتدئ فيه بما يغوص تارة ويطف أخرى بالاختيار ، وثنى بما طبعه الرسوب ، وثلث بما من طبعه الطفوف .
النحل : ( 15 - 17 ) وألقى في الأرض. .. . .
) وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ( ( )
ولما ذكر الأغوار ، الهابطة الضابطة للبحار ، أتبعها الأنجاد الشداد ، التي هي كالأوتاد ، تذكيراً بما فيها من النعم فقال : ( وألقى في الأرض ) أي وضع فيها وضعاً ، كأنه قذفه فيها قذفاً ، جبالاً ) رواسي ( مماسة لها ومزينة لنواحيها ، كراهة ) أن تميد ) أي تميل مضطربة يميناً وشمالاً ، أي فيحصل لكم الميد ، وهو دوار يعتري راكب البحر ) بكم ( في ثابتة لأجل ذلك الإلقاء ، ثابتة مع اقتضائها بالكرية التحرك .
ولما ذكر الأوهاد ، وأتبعها الأوتاد ، تلاها بما تفجره غالباً منها ، عاطفاً على ) رواسي ( لما تضمنه العامل من معنى ( جعل ) فقال : ( وأنهاراً ( وأدل دليل على ثبات الأرض ما سبقها من ذكر البحار ، ولحقها من الحديث عن الأنهار ، فإنها لو تحركت ولو بمقدار شعرة في كل يوم لأغرقت البحارُ من إلى جانب الانخفاض ، وتعاكست مجاري الأنهار ، فعادت منافعها أشد المضار ، ولو زادت البحار ، بما تصب فيها الأنهار ، على مر الليل وكر النهار ، لأغرقت الأرض ، ولكنه تعالى دبر الأمر بحكمته تدبيراً تعجز عن الاطلاع على كنهه أفكار الحكماء ، بأن سلط حرارة الشمس على الأرض في جميع مدة الصيف وبعض غيره من الفصول ، فسرت في أغوارها ، وحميت في أعماقها في الشتاء ، فأسخنت مياه البحار وغيرها فتصاعدت منها بخارات كما يتصاعد من القدر المغلي بقدر ما صبت فيها الأنهار ، فانعقدت تلك البخارات في الجو مياهاً لما بردت ، فنزل منها المطر ، فأحيا الأرض بعد موتها ، وتخلل أعماقها منه ما شاء الله ، فأمد الأنهار ، ولذلك

الصفحة 254