كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 275
ما كان انتصب إليه عند الشروق ، فلما كان بعد انتصابه إلى جهة اليمين طالباً في تفيئه جهة اليسار ، سميت تلك الجهات التي تفيأ فيها باسم ما هو طالبه تنبيهاً على ذلك ، وفيه إشارة إلى قلة الجيد المستقيم وكثرة المنحرف الرديء .
ولما كانت كثر الخاضعين أدل على القهر وأهيب ، جمع بالنظر إلى معنى ( ما ) ف قوله : ( سجداً ) أي حال كونهم خضعاً ) لله ) أي الملك الأعلى بما فيهم من الحاجة إلى مدبرهم .
ولما كان امتداد الظل قسرياً لا يمكن أحداً الانفصال عنه ، قال جامعاً بالواو والنون تغليباً : ( وهم داخرون ( ذلاً وصغاراً ، لا يمتنع شيء منهم على تصريفه ، وخص الظل بالذكر لسرعة تغيره ، والتغير دال على المغير .
ولما حكم على الظلال بما عم أصحابها من جماد وحيوان ، وكان الحيوان أشرف من الجماد ، رقي الحكم إليه بخصوصه فقال تعالى : ( ولله ) أي الذي له الأمر كله ) يسجد ) أي يخضع بالانقياد للمقادير والجري تحت الأقضية ، وعبر بما هو ظاهر في غير العقلاء مع شموله لهم فقال تعالى : ( ما في السماوات ( ولما كان المقام للمبالغة في إثبات الحكم على الطائع والعاصي ، أعاد الموصول فقال تعالى : ( وما في الأرض ( ثم بين ذلك بقوله تعالى : ( من دآبة ) أي عاقلة وغير عاقلة .
ولما كان المقرب قد يستهين بمن يقربه ، قال مبيناً لخضوع المقربين تخصصاً لهم وإن كان الكلام قد شملهم : ( والملائكة ( .
ولما كان الخاضع قد يحكم بخضوعه وإن كان باطنه مخالفاً لظاهره ، قال - دالاً عل أن في غيرهم من يستكبر فيكون انقياده للإرادة كرهاً ، وعبر عن السجودين : الموافق للأمر والإدارة طوعاً ، والموافق للارداة المخالف للأمر كرهاً ، بلفظ واحد ، لأنه يجوز الجمع بين مفهومي المشترك والحقيقة والمجاز بلفظ : ( وهم ) أي الملائكة ) لا يستكبرون ( ثم علل خضوعهم بقوله دلالة على أنهم كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء : ( يخافون ربهم ) أي الموجد لهم ، المدبر لأمورهم ، والمحسن إليهم ، خوفاً مبتدئاً ) من فوقهم ( إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم ، أو حال كون ربهم مع إحسانه إليهم له العلو والجبروت ، فهو المخوف المرهوب ، فهم عما نهوا عنه ينتهون ) ويفعلون ) أي بداعية عظيمة علماً منهم بما عليهم لربهم من الحق مع عدم منازع من حظ أو شهوة أو غير ذلك ، ودل على أنهم مكلفون بقوله تعالى : ( ما يؤمرون ( فهم لرحمته لهم يرجون ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر الخوف أولاً دال على الرجاء ثانياً ، وذكر الفعل ثانياً دال على الانتهاء أولاً .