كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 281
ولما كان شرح هذا أنهم تكلموا بالباطل في جانبه تعالى وجانبهم ، بين ما هو الحق في هذا المقام ، فقال تعالى على تقدير الجواب لمن كأنه قال : فما يقال في ذلك ؟ مظهراً في موضع الإضمار ، تنبيهاً على الوصف الذي أوجب الإقدام على الأباطيل من غير خوف : ( للذين لا يؤمنون ) أي لا يوجدون الإيمان أصلاً ) بالآخرة مثل ) أي حديث ) السوء ( من الضعف والحاجة والذل والرعونة ) ولله ) أي الذي له الكمال كله ) المثل ) أي الحديث أو المقدار أو الوصف أو القياس ) الأعلى ( من الغنى والقوة وجميع صفات الكمال بحيث لا يلحقه حاجة ولا ضعف ولا شائبة نقص أصلاً ، وأعدل العبارات عن ذلك لا إله إلا الله ، ويتأتى تنزيل المثل على الحقيقة كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى في سورة الروم .
ولما كان أمره سبحانه وتعالى أجل مما تدركه العقول ، وتصل إليه الأفهام ، أشار إلى ذلك بقوله تعالى : ( وهو ( لا غيره ) العزيز ( الذي لا يمتنع عليه شيء فلا نظير له ) الحكيم ( الذي لا يوقع شيئاً إلا في محله ، فلو عاملهم بما يستحقونه من هذه العظائم التي تقدمت عنهم لأخلى الأرض منهم ) ولو يؤاخذ الله ) أي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال ) الناس ( كلهم .
ولما كان السياق للحكمة ، وكان الظلم - الذي هو إيقاع الشيء في غير موقعه - شديد المنافاة لها ، وكان الشرك - الذي هذا سياقه - أظلم الظلم ، قال معبراً بالوصف الشامل لما وقع منهم منه بالفعل ولما هم منطوون وهو وصف لهم ولم يباشروه إلى الآن بالفعل قال : ( بظلمهم ) أي يعاملهم معاملة الناظر لخصمه المعامل له بمحض العدل من غير نظر إلى الفضل ، وعبر بصيغة المفاعلة لأن دلالتهاعلى المناقشة أبلغ ) ما ترك ( ولما اقتضى الحال ذكر الظلم ، وكان سياق هذه الآية أغلظ من سياق فاطر ، عبر بما يشمل كل محمول الأرض سواء كان على الظهر أو في البطن مغموراً بالماء أولا فقال تعالى : ( عليها ) أي الأرض المعلوم أنها مستقرهم المدلول عليها التراب ، وأعرق في النفي فقال تعالى : ( من دآبة ) أي نفس تدب على وجه الأرض ، لأن الكل إما ظالم يعاقب بظلمه ، وإما من مصالح الظالم فيهلكه عقوبة للظالم ، أو لأنه ما خلقهم إلا للبشر ، فإذا أهلكهم أهلكهم كما وقع قريب منه في زمن نوح عليه السلام ) ولكن ( لا يفعل بهم ذلك فهو ) يؤخرهم ( إمهالاً بحكمته وحلمه ) إلى أجل مسمى ( ضربه لهم في الأزل .
ولما قطع العلم بالغاية عما يكون ، سبب عن ذلك الإعلام بما يكون فيه فقال : ( فإذا جاء أجلهم ( الذي حكم بأخذهم عنده ) لا يستأخرون ) أي عنه ) ساعة ) أي وقتاً

الصفحة 281