كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 284
معه السامع العاقل إلى أكثر من السماع ، قال تعالى ) إن في ذلك ( الماء المؤثر بتدبيره هذا الأثر العظيم ) لآية لقوم يسمعون ( هذا التنبيه في هذا الأسلوب المتضمن لما مضى من التشبيه ، فيعلمون أنه ينزل من أمره ما يريده فيحيي به أجساد العباد بعد موتها كما أحيى أجساد النبات بالماء بعد موتها وأرواح الأشباح بالعلم بعد موتها ، والحاصل ان هذه الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق ، وترك العناد والجهل ، فهو من سماع الأذن وما ينشأ عنه من الإجابة ، استعمالاً للشيء في حقيقته ومجازه ، ولعله لم يختمها ب ( يبصرون ) لئلا يظن أن ذلك من البصيرة ، فيظن أنه يحتاج فيها إلى كبير فكر فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة الوضوح .
ولما ذكر سبحانه هذا الأمر العام ، ونبه على ما فيه من غريب الصنع الذي غفل عنه لشدة الألف به ، أتبعه بعض ما ينشأ عنه من تفاصيل الأمور ، المحتوية على عجائب المقدور ، وبدأ بأعمها وأشدها ملابسة لهم ، وأكثرها في نفسه وأعظمها منفعة ودخلاً في قوام عيشهم ، فقال : ( وإن لكم ) أي أيها المخاطبون المغمورون في النعم ) في الأنعام ( ولما كانت الأدلة يعبر بها من الجهل إلى العلم قال : ( لعبرة ( فكأنه قيل : ما هي ؟ فقيل : ( نسقيكم ( بضم النون في قراءة الجماعة من أسقاه - إذا أعد له ما يشربه دائماً من نهر أو لبن وغيرهما ، وبالفتح في قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية شعبة : من سقاه - إذا ناوله شيئاً فشربه .
ولما كان الأنعام اسم جمع ، فكان مفرداً كما نقل ذلك سيبويه ، وذكر المسقي وهو اللبن ، لما اقتضاه سياق السورة من تعداد النعم فتعينت إرادة الإناث لذلك ، فانتفى الالتباس مع تذكير الضمير ، قال تعالى : ( مما ) أي من بعض الذي ) في بطونه ( فذكر الضمير لأمن اللبس والدلالة على قوة المعنى لكونها سورة النعم بخلاف ما في المؤمنون .
ولما كان موضع العبرة تخليص اللبن من غيره ، قدم قوله تعالى : ( من بين فرث ( وهو الثقيل الذي ينزل إلى الكرش ، فإذا خرج منه لم يسم فرثاً ) ودم لبناً خالصاً ( من مخالط منهما أو من غيرهما يبغي عليه بلون أو رائحة ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما : إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في كرشها طبخته ، فكان أسفله فرثاً ، وأوسطه لبناً ، وأعلاه دماً .
والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسيمها ، فيجري الدم في العروق ، واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث في الكرش .
) سائغاً ) أي سهل المرور في الحقل ) للشاربين ( ثم عطف عليه ما هو أنفس منه عندهم وأقرب إليه في المعاني المذكورة ، فقال تعالى معلقاً ب ( نسقيكم ) ) ومن الثمرات النخيل والأعناب ( .

الصفحة 284