كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 286
الرازي في اللوامع : فالله تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، فبعضها بالتسخير المجرد كالجمادات ، وبعضها بالإلهام والتسخير كالنحل والسرفة - أي بضم وسكون ، وهي دويبة تتخذ بيتاً من دقاق العيدان فتدخله وتموت - والعنكبوت ، وبعضها بالتسخير والإلهام والعقل المتفق على نظام واحد كالملائكة ، وبعضها بكل ذلك والفكر والتمييز والأعمال المختلفة المبنية على الفكر كالإنسان .
ولما كان في الإيحاء معنى القول ، أتى ب ( أن ) المفسرة فقال تعالى : ( أن اتخذي ) أي افعلي ما يفعله المتكلف من أن يأخذ ) من الجبال بيوتاً ( أيّ بيوت ما أعجبها ) ومن الشجر ) أي الصالحة لذلك في الغياض والجبال والصحارى ) ومما يعرشون ) أي يرفع الناس من السقوف والجدران وغيرها ، وبدأ بالبيوت لأنها من عجب الدهر في حسن الصنعة وبداعة الشكل وبراعة الإحكام وتمام التناسب .
ولما كان أهم شيء للحيوان بعد الراحة من هّم المقيل الأكل ، ثنى به ، ولما كان عاماً في كل ثمر ، ذكره بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك وتيسيره لها ، فقال تعالى : ( ثم كلي ( وأشار إلى كثرة الرزق بقوله تعالى : ( من كل الثمرات ( قالوا : من أجزاء لطيفة تقع على أوراق الأشجار من الظل ، وقال بعضهم : من نفس الأزهار والأوراق .
ولما أذن لها في ذلك كله ، وكان من المعلوم عادة أن تعاطيه لا يكون إلا بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه ، نبه على خرقه للعادة في تيسيره لها فقال تعالى : ( فاسلكي ) أي فتسبب عن الإذن في الأكل الإذن في السير إليه ) سبل ربك ) أي المحسن إليك بهذه التربية العظيمة لأجل الأكل ذاهبة إليه وراجعة إلى بيوتك حال كون السبل ) ذللاً ) أي موطأة للسلوك مسهلة كما قال تعالى
77 ( ) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً ( ) 7
[ الملك : 15 ] وأشار باسم الرب إلى أنه لولا عظيم إحسانه في تربيتها لما اهتدت إلى ذلك ؛ ثم أتبعه نتيجة ذلك جواباً لمن كأنه قال : ماذا يكون عن هذا كله ؟ فقال تعالى : - ) يخرج من بطونها ( - بلفت الكلام لعدم قصدها إلى هذه النتيجة ) شراب ( أيّ شراب وهو العسل لأنه مع كونه من أجلّ المآكل هو ( مما يشرب ) ) مختلف ألوانه ( من أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك ، واختلافاً دالاً على أن فاعله مع تمام قدرته مختار ، ثم أوضح ذلك بقوله تعالى : ( فيه ) أي مع كونه من الثمار النافعة والضارة ) شقاء للناس ( قال الإمام الرازي في اللوامع : ذا المعجونات كلها بالعسل ، وقال إمام الأولياء محمد بن علي الترمذي : إنما كان ذلك لأنها ذلت لله مطيعة وأكلت من كل الثمرات : حلوها ومرها محبوبها ومكروهها ، تاركة لشهواتها ، فلما ذلت لأمر