كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 291
إلى غير ذلك مما كان يعتذر به عن جهة أمه ، نبههم سبحانه على ما وقعوا فيه في حقه من ذلك بسبب الإشراك مع أنه مالك الملك وملك الملوك بعد ما اجترؤوا عليه في تفضيل أنفسهم في نسبة البنات إليه ، فقال تعالى : ( فما الذين فضلوا ) أي في الرزق ) برادّي رزقهم ) أي الذي اختصوا به ) على ما ملكت أيمانهم ( وإن جل نفعهم وتعاظم عندهم وقعهم ) فهم فيه سواء ) أي فيكون بذلك الرد المالك والمملوك سواء ، فهو جواب للنفي - نقله الرمال عن ابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم .
ولما وضح ذلك وضوح الشمس وظهر حتى ما به أصلاً نوع البس ، تسبب عنه الإنكار في قوله على وجه الإعراض عن خطابهم المؤذن بالمقت : ( أفبنعمة الله ) أي الذي لا رب غيره ) يجحدون ( في جعلهم له شركاء يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم ، فيسوون بينهم وبينه في ذلك وبنعمتهم يعترفون ولها يحفظون في إنزال ما ملكت أيمانهم عنهم في المراتب والأموال .
ولما ذكر الخلق والرزق ، أتبعها الألذاذ بالتأنس بالجنس من الأزواج والأولاد وغيرهما اللازم له القيام بالمصالح فقال تعالى : ( والله ) أي الذي له تمام القدرة وكمال العلم ) جعل لكم ( ولما كان الأزواج من الجنس ، قال : ( من أنفسكم ( لأن الشيء آلف لنوعه وأقرب إلى جنسه ) أزواجاً ) أي تتوالدون بها ويبكون السكون إليها سبباً لبقاء نوعكم ) وجعل لكم ) أي أيها الناس الذين يوجهون رغباتهم إلى غيره ) من أزواجكم بنين ( ولعله قدمهم للشرف ؛ ثم عطف على ذلك ما هو أعم فقال : ( وحفدة ) أي من البنات والبنين وأولادهم والأصهار والأختان ، جمع حافد ، يخفّون في أعمالكم ويسرعون في خدمكم طاعة وموالاة ، لا كما يفعل الأجانب وبعض العاقين ، وهذا معنى ما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه فسرهم بالخدام والأعوان ، وهو الصواب لأن مادة حفد تدور على الإسراع والخفة .
حفد : خفّ في العمل وأسرع ، والحفد - محركة : الخدم - لخفتهم ، ومشي دون الخبب ، والحفدة : البنات وأولاد الأولاد أو الأصهار - لذلك ، وصناع الوشي - لإسراعهم فيه وإسراع لابسه إلى لبسه منبسط النفس ، والمحفد - كمجلس ومنبر : شيء يعلف فيه الدواب - لإسراعها إليه ، وكمنبر : طرف الثوب لإسراع حركته ، وقدح يكال به - لخفته ، وكمجلس الأصل - لدوران الأمور عليه وإسراعها إليه ، وسيف محتفد : سريع القطع ، وأحفده : حمله على الإسراع ، والفادحة : النازلة ، وفوادح الدهر - خطوبه - لإسراعها بالمكروه وإسراع المنزول به ومن يهمه شأنه إلى مدافعتها ، ومن ذلك فدحه الأمر : أثقله - لأن المكروه يسرع فيثقل فيكثر اضطراب المنزول به .

الصفحة 291