كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 293
شأنه ، تعالى سلطانه ، لأن الفرق أن ملوك الدنيا المقيس عليهم إنما أقاموا مَن ذكر لحاجتهم وضعف مُلكهم ومِلكهم ، فحالهم مخالف لوصف من لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يشغله شأن عن شأن ، وكل شيء في قبضته وتحت قهره وعظمته ، فلذلك تسبب عنها قوله تعالى : ( فلا تضربوا لله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ) الأمثال ) أي فتشبهوه تشبيهاً بغيره وإن ضرب لكم هو الأمثال ؛ قال أبو حيان وغيره : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي لا تشبهوه بخلقه - انتهى .
وهو - كما قال في الكشاف - تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به ، لأن من يضرب الأمثال مشبه حالاً بحال وقصة بقصة - انتهى .
وهذا النهي عام في كل مثل لخطر الأمر خشية أن يكون ذلك المثل غير لائق بمقداره ، وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، لاسيما في هذا لأن الخطأ فيه كفر ، ويدل على ذلك تعليل الحكم بقوله تعالى : ( إن الله ) أي الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره ) يعلم ) أي له جميع صفة العلم ، فإذا ضرب مثلاً أتقنه بإحاطة علمه بحيث لا يقدر غيره أن يبدي فرقاً ما بين الممثل والممثل به في الأمر الممثل له ) وأنتم لا تعلمون ) أي ليس لكم علم أصلاً ، فلذلك تعمون عن الشمس وتلبّس عليكم ما ليس فيه لبس ، وهذا المقام عال ومسلكه وعر ، وسالكه على غاية من الخطر .
ولما ختم سبحانه بذلك تأكيداً لإبطال مذهب عبدة الأصنام بسلب العلم الذي هو مناط السداد عنهم ، حسن أن يصل به قوله - إقامة للدليل على علمه بأن أمثاله لا يتطرق إليها الطعن ، ولا يتوجه نحوها الشكوك - : ( ضرب الله ) أي الذي له كمال العلم وتمام القدرة ) مثلاً ( بالأحرار والعبيد له ولما عبدتموه معه ؛ ثم أبدل من مثلاً : ( عبداً ( ولما كان العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى الله تعالى ، قال تعالى : ( مملوكاً ( لا مكاتباً ولا فيه شائبة للحرية ) ولا يقدر على شيء ( بإذن سيده ولا غيره ، وهذا مثل شركائهم ، ثم عطف على ( عبداً ) قوله : ( ومن رزقناه منا ( من الأحرار ) رزقاً حسناً ( واسعاً طيباً ) فهو ينفق منه ( دائماً ، وهو معنى ) سراً وجهراً ( وهذا مثل الإله وله المثل الاعلى ؛ ثم بكتهم إنكاراً عليهم بقوله تعالى : ( هل يستون ) أي هذان الفرقان الممثل بهما ، لأن المراد الجنس ، فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يستوي بين مخلوقين : أحدهما حر مقتدر والآخر مملوك عاجز ، فكيف يسوي بين حجر موات أو غيره وبين الله الذي له القدرة التامة على كل شيء ؟ ولما كان الجواب قطعاً : لا وعلم أن الفاضل ما كان مثالاً له سبحانه ، على أن من سوى بينهما أو فعل ما يؤول إلى التسوية أجهل الجهلة .
فثبت مضمون ) إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ( وأن غيره تعالى لا يساوي شيئاً ، فثبت بلا ريب أنه المختص بالمثل الأعلى ، فعبر عن ذلك بقوله تعالى : ( الحمد لله ) أي له الإحاطة بالعلم وجميع صفات