كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 296
غيرها بما فصله لكم من أول السورة إلى هنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما ) وما أمر الساعة ( وهي الوقت الذي يكون فيه البعث ، على اعتقادكم أنها لا تكون استبعاداً لها واستصعاباً لأمرها في سرعته عند الناس لو رأوه ، ولذا عبر عنه بالساعة ) إلا كلمح البصر ) أي كرجع الطرف المنسوب إلى البصر أيّ بصر كان ) أو هو أقرب ( وإذا الخلق قد قاموا من قبورهم مهطعين إلى الداعي - هذا بالنسبة إلى علمهم وقياسهم ، وأما بالنسبة إليه سبحانه فأمره في الجلالة والعظم والسرعة والإتقان يجل عن الوصف ، وتقصر عنه العقول ، ولا شك فيه ولا تردد ، ولذلك علله بقوله تعالى : ( إن الله ) أي الملك الأعظم ) على كل شيء ) أي ممكن ) قدير ( .
ولما انتقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه ، وختم بأمر الساعة ، عطف قوله تعالى ) والله جعل لكم من أنفسكم أزرواجاً ( ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى ، فقال تعالى : ( والله ) أي الذي له العظمة كلها ) أخرجكم ( بعلمه وقدرته ) من بطون أمهاتكم ( والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق بل بطريق الأولى ، حال كونكم عند الإخراج ) لا تعلمون شيئاً ( من الأشياء قل أو جل ، وعطف على ) أخرجكم ( قوله : ( وجعل لكم ( بذلك أيضاً ) السمع والأبصار والأفئدة ( آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه ، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده ، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة ، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعاً قادر على إعادته في بطن الأرض ، بل بطريق الأولى ، ولعله جمعها دون السمع ، لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوا فيه بما لا يعلمه إلا الله ؛ والأفئدة هي القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن بما أودعها من الحرارة اللطيفة القابلة للمعاني الدقيقة ) لعلكم تشكرون ) أي ليصيروا - بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها شكركم لما أفاض عليكم من لطائف صنعه ، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف ، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله ، وأهمه الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد عالم بكل شيء قادر على كل شيء فاعل بالاختيار ، وأن الطبائع من جملة مقدوراته ، لا فعل لها إلا بتصريفه .
ولما كان المقصود من تعداد هذه النعم الإعلام بأنه الفاعل بالاختيار وحده ال الطبائع ولا غيرها ، دلهم على ذلك مضموناً إلى ما مضى بقوله مقرراً لهم : ( ألم يروا ( بالخطاب والغيبة - على اختلاف القراءتين لأن سياق الكلام وسباقه يحتمل المقبل