كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 305
ولما دعا هذا الكلام على وجازته إلى أمهات الفضائل لي هي العلم والعدل والعفة والشجاعة ، وزاد من الحسن ما شاء ، فإن الإحسان من ثمرات العفة ، والنهي عن البغي الذي هو من ثمرات الشجاعة المذمومة إذن فيما سواه منها ، ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالعلم وكان هذا أبلغ وعظ ، نبه عليه سبحانه بقوله تعالى : ( يعظكم ) أي يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة ثلاثة ومجانبة ثلاثة ) لعلكم تذكرون ) أي ليكون حالكم حال من يرجى تذكره ، لما في ذلك من المعالي بما وهب الله من العقل ، الداعي إلى كل خير ، الناهي عن كل ضير ، فإن كل أحد من طفل وغيره يكره أن يفعل معه شيء من هذه المنهيات ، فمن كان له عقل واعتبر بعقله علم أن غيره يكره منه ما يكره هو منه ، ويعلم أنه إن لم يكف عن فعل ما يكره أخوه وقع التشاجر ، فيحصل الفساد المؤدي إلى خراب الأرض ، هذا في الفعل مع أمثاله من المخلوقين ، فكيف بالخالق بأن يصفه بما لا يليق به سبحانه ، وعز اسمه ، وتعالى جده ، وعظم أمره .
ولما تقررت هذه الجمل التي جمعت - بجمعها للمأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر والصدور ، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت قاموس البحر وتعالت عن طوق البشر ، عطف على ما أفهمه السياق - من نحو : فتذكروا أو فالزموا ما أمرتم به ونابذوا ما نهيتم عنه - بعض ما أجملته ، بدأبما هو مع جمعه أهم وهو الوفاء بالعهد الذي يفهم منه العلماء بالله ما دل عليه العقل من الحجج القاطعة بالتوحيد وصدق الرسل ووجوب اتباعهم ، فكانت أعظم العهود ، ويفهم منه غيرهم ما يتعارفونه مما يجري بينهم من المواثيق ، فإذا ساروا فيها بما أمر سبحانه وتحروا رضاه علماً منهم بأنه العدل ، قادهم ذلك إلى رتبة الأولين فقال تعالى : ( وأوفوا ) أي أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة غيره ) بعهد الله ) أي الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل والنقل من التوحيد وغيره من أصول الدين وفروعه
77 ( ) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ( ) 7
[ الرعد : 20 ]
77 ( ) وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ( ) 7
[ البقرة : 27 ] ) إذا عاهدتم ( بتقلبكم له بإذعانكم لأمثاله من الأدلة فيما عرف من عوائدكم ، وصرحتم به عند شدائدكم ) ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأون ( ثم عطف عليه ما هو من جنسه وأخص منه فقال تعالى : ( ولا تنقضوا الأيمان ( واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى : ( بعد توكيدها ( وحذف الجار لأن المنهي عنه إنما هو استغراق زمان البعد بالنقض ، وذلك لا يكون إلا بالكذب الشامل له كله ، بعضه بالقوة وبعضه بالفعل ، ولعله جمع إشارة إلى أن المذموم استهانتها من غير توقف على كفارة ، لأن من فعل ذلك ولو في واحدة كان فاعلاً ذلك في الجميع ، بخلاف من ينقض ما نقضه خير

الصفحة 305