كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 306
بالكفارة فإنه ناقض للبعض لا للكل ، لأنه دائر مع الخير والأول دائر مع الهوى ؛ ثم حذرهم من النقض بأنه مطلع قادر ، فقال تعالى مقبحاً حالهم إذ ذاك : ( وقد جعلتم الله ) أي الذي له العظمة كلها ) عليكم كفيلاً ) أي شاهداً ورقيباً .
ولما كان من شأن الرقيب حفظ أحوال من يراقبه ، قال تعالى مرغباً مرهباً : ( إن الله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ) يعلم ما تفعلون ( فلم تفعلوا شيئاً إلا بمشيئته وقدرته ، فكانت كفالته مجعولة بهذا الاعتبار وإن لم يصرح بالجعل ، فمتى نقضتم فعل بكم فعل الكفيل القادر بالمكفول المماطل من أحد الحق والعقوبة .
ولما أمر بالوفاء ونهى عن النقض ، شرع في تأكيد وجوب الوفاء وتحريم النقض وتقبيحه تنفيراً منه فقال تعالى : ( ولاتكونوا ) أي في نقضكم لهذا الأمر المعنوي ) كالتي نقضت غزلها ( ولما كان النقض لم يستغرق زمان البعد ، قال تعالى : ( من بعد قوة ( عظيمة حصلت له ) أنكاثاً ) أي أنقاضاً ، جمع نكث وهو كل شيء نقض بعد الفتل سواء كان حبلاً أو غزلاً ، فهو مصدر مجموع من نقضت لأنه بمعنى نكثت ، قال في القاموس : النكث - بالكسر أن تنقض أخلاق الأكسية لتغزل ثانية .
فيكون مثل جلست قعوداً ، أي فتكونوا بفعلكم ذلك كهذه المرأة التي ضربتم المثل بها في الخرق مع ادعائكم أنه يضرب بأدناكم المثل في العقل ، ثم وصل بذلك ما يعرف أنهم أسفه من تلك المرأة بسبب أم ضررها لا يتعداها ، وأما الضرر بفعلهم فإنه مفسد لذات البين فقال تعالى : ( تتخذون ) أي بتكليف الفطرة الأولى ضد ما تدعو إليه من الوفاء ) أيمانكم دخلاً ) أي فيضمحل كونها أيماناً إلى كونها ذريعة إلى الفساد بالخداع والغرور ) بينكم ( من حيث إن المحلوف له يطمئن فيفجأه الضرر ، ولو كان على حذرلما نيل منه ولا جسر عليه ، وكل ما أدخل في الشيء على فساد فهو دخل ) إن ) أي تفعلون ذلك بسب أن ) تكون أمة ) أي وهي الخادعة أو المخدوعة لأجل سلامتها ) هي ) أي خاصة ) أربى ) أي أزيد وأعلى ) من أمة ( في القوة أو العدد ، فإذا لزيادتها غدرت .
ولما عظم عليهم النقض ، وبين أن من أسبابه الزيادة ، حذرهم غوائل البطر فقال تعالى : ( إنما يبلوكم ) أي يختبركم ) الله ) أي الذي له الأمر كله ) به ) أي يعاملكم معاملة المختبر بالأيمان والزيادة ليظهر للناس تمسككم بالوفاء أو انخلاعكم منه اعتماداً على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من المؤمنين ( أو غيرهم ) مع قدرته سبحانه على ما يريد ، فيوشك أن يعاقب بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل الكثير ) وليبينن لكم ) أي إذا تجلى لفصل القضاء ) يوم القيامة ( مع هذا كله ) ما كنتم ( أي