كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 308
لإنكارهم البعث عما ينشأ عنه : ( ولتسئلن عما كنتم ) أي كوناً أنتم مجبولون عليه ) تعلمون ( وإن دق ، فيجازي كلاًّ منكم على عمله وإن كان غبياً عن السؤال ، فهو بكل شيء عليم .
ولما بين أن الكذب وما جر إليه أقبح القبائح ، وأبعد الأشياء عن المكارم ، وكان من أعظم أسباب الخلاف ، فكان أمره جديراً بالتأكيد ، أعاد الزجر عنه بأبلغ مما مضى بصريح النهي مرهباً مما يترتب على ذلك ، فقال معبراً بالافتعال إشارة إلى أن ذلك لا يفعل إلا بعلاج شديد من النفس لأن الفطرة السليمة يشتد نفارها منه : ( ولاتتخذوا أيمانكم دخلاً ) أي فساداً ومكراً وداء وخديعة ) بينكم ) أي في داخل عقولكم وأجسامكم ) فتزل ) أي فيكون ذلك سبباً لأن تزل ) قدم ( هي في غاية العظمة بسبب الثبات ) بعد ثبوتها ( عن مركزها الذي كانت به من دين أو دنيا ، فلا يصير لها قرار فتسقط عن مرتبتها ، وزلل القدم تقوله العرب لكل ساقط في ورطة بعد سلامة ) وتذوقوا السوء ( مع تلك الزلزلة ) بما صددتم ) أي أنفسكم ومنعتم غيركم بأيمانكم التي أردتم بها الإفساد لإخفاء الحق ) عن سبيل الله ) أي الملك الأعلى ، يتجدد لكم هذا الفعل ما دمتم على هذا الوصف ) ولكم ( مع ذلك ) عذاب عظيم ( ثابت غير منفك إذا متم على ذلك .
ولما كان هذا خاصاً بالأيمان ، أتبعه النهي عن الخيانة في عموم العهد تأكيداً بعد تأكيد للدلالة على عظيم النقض فقال تعالى : ( ولا تشتروا ) أي تكلفوا أنفسكم لجاجاً وتركاً للنظر في العواقب أن تأخذوا وتستبدلوا ) بعهد الله ) أي الذي له الكمال كله ) ثمناً قليلاً ) أي من حطام الدنيا وإن كنتم ترونه كثيراً ، ثم علل قلته بقوله تعالى : ( إنما عند الله ) أي الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين ) هو خير لكم ( ولا يعدل عن الخير إلى ما دونه إلا لجوج ناقص العقل ؛ ثم شرط علم خيريته بكونهم من ذوي العلم فقال تعالى : ( إن كنتم ) أي بجبلاتكم ) تعلمون ) أي ممن يتجدد له علم ولم تكونوا في عداد البهائم ، فصار العهد الشامل للأيمان مبدوءاً في هذه الآيات بالأمر بالوفاء به ومختوماً بالنهي عن نقضه ، والأيمان التي هي أخص منه وسط بين الأمر والنهي المتعلقين به ، فصار الحث عليها على غاية من التأكيد عظيمة ورتبة من التوثيق جليلة ، ثم بين خيريته وكثرته بقوله تعالى على سبيل التعليل : ( ما عندكم ) أي من أعراض الدنيا ، وهو الذي تتعاطونه بطباعكم ) ينفد ) أي يفنى ، فصاحبه منغص العيش أشد ما يكون به اغتباطاً بانقطاعه أو بتجويز انقطاعه إن كان في عداد من يعلم ) من عند الله ) أي الذي له الأمر كله من الثواب ) باق ( فليؤتينكم منه إن ثبتم على عهده ؛ ثم لوح بما