كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 317
ابن عباس رضي الله عنهما أنها مكة ) كانت ءامنة ) أي ذات أمن يأمن به أهلها في زمن الخوف ) مطمئنة ) أي تارة بأهلها ، لا يحتاجون فيها إلى نحعة وانتقال بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوة المدد ، وكف الله الناس عنها ، ووجود ما يحتاج إليه أهلها ) يأتيها ) أي على سبيل التجدد والاستمرار ) رزقها رغداً ) أي واسعاً طيباً ) من كل مكان ( براً وبحراً بتسيير الله تعالى لهم ذلك .
ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالباً ، نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال تعالى : ( فكفرت ( ونبه سبحانه على سعة فضله بجمع القلة الدال على أن كثرة فضله عليهم تافهة بالنسبة إلى ما عنده سبحانه وتعالى فقال : ( بانعم الله ) أي الذي له الكمال كله كما كفرتم ) فأذاقها الله ) أي المحيط بكل شيئ قدرة وعلماً ) لباس الجوع ( بعد رغد العيش ) والخوف ( بعد الأمن والطمأنينة حتى صار لهم ذلك بشموله لهم لباساً ، وبشدة عركهم ذواقاً ، فكأن النظر إلى المستعار له ، وهو هنا أبلغ لدلالته على الإحاطة والذوق ، ولو نظر إلى المستعار لقال : فكساها ، فكان يفوت الذوق ، وذلك كما نظر إليه كثيّر في قوله :
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً غلقت لضحكته رقاب المال
استعار الرداء للمعروف لأنه يصون صون الرداء لما يلقى عليه ، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال ، لا وصف الرداء الذي هو المستعار ، ولو نظر إليه لوصفه بالسعة أو الطول مثلاً كما نظر إليه من قال ذاكراً السيف الذي يصون به الإنسان نفسه :
ينازعني ردائي عبد عمرو رويدك يا أخا بكر ين عمرو لي الشطر الذي ملكت يميني ودونك فاعتجر منه بشطر
فنظر إلى المستعار وهو الرداء في لفظ الاعتجار ، فبانت فضيحة ابن الراوندي في زندقته إذ قال لابن الأعرابيك هل يذاق اللباس ؟ فقال له : لا بأس يا أيها النسناس هب أن محمداً ما كان نبياً ، أما كان عربياً ؟ ) بما كانوا ) أي بجبلاتهم ) يصنعون ( من الكفر والكبر ، قد مرنوا عليه بكثرة المداومة مرون الإنسان على صنعته .
ولما كان تعالى لايعذب حتى يبعث رسولاً ، حقق ذلك بقوله تعالى : ( ولقد جاءهم ) أي أهل هذه القرية ) رسول منهم ( كما وقع لكم ) فكذبوه ( كما فعلتم ) فأخذهم العذاب ( كما سمعتم ، وإن كان المراد بها مكة فالمراد به الجوع الذي دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال ( اللهم أعني بسبع كسبع

الصفحة 317