كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 321
ولما دعاهم إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وإن عظم جرمه ، إجابة لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام في قوله
77 ( ) فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ( ) 7
[ إبراهيم : 36 ] أتبع ذلك ذكره ترغيباً في اتباعه في التوحيد والميل مع الأمر والنهي إقداماً وإحجاماً إن كانوا ممن يتبع الحق أو يقلد الآباء ، فقال على سبيل التعليل لما قلبه : ( إن إبراهيم ) أي أباكم الأعظم إمام الموحدين ) كان أمة ( فيه من المنافع الدنيوية والأخروية ما يوجب أن يؤمه ويقصده كل أحد يمكن انتفاعه به ) قانتاً ) أي مخلصاً ) لله ) أي الملك الذي له الأمر كله ليس فيه شيء من الهوى ) حنيفاً ( ميالاً مع الأمر والنهي بنسخ أو بغيره ، فكونوا حنفاء أتباعاً للحق ، لما قام عليه من الأدلة ، واستناناً بأعظم آبائكم .
ولما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيم عليه السلام ، وكانت الأوصاف الثبوتية قريبة المأخذ سريعة الوصول إلى الفهم ، وأتى بعدها وصف سلبي بجملةن حذف نون ) يكن ( منها إيجازاً وتقريباً للفهم تخفيفاً عليه وحفظاً له من أن يذهب قبل تمامها إلى غير المراد ، وإعلاماً بأن الفعل منفي عنه عليه السلام على أبلغ وجوه النفي لا ينسب إليه شيء منه ولو قل ، فقيل : ( ولم يك ( ولما كانوا مشركين هم وكثير من أسلافهم ، قبح عليهم ذلك بأن أعظم من يعتقدون عظكته من آبائهم ليس من ذلك القبيل ، فقال تعالى : ( من المشركين ( الواقفين مع الهوى ، فلا تكونوا منهم ؛ ثم بين حاله فقال : ( شاكراً ( ولما كان لله على من جعله أمة من النعم ما لا يحصى ، بين أن ذلك كله قليل في جنب فضله ، فقال مشيراً إلى ذلك بجمع القلة وإلى أن الشاكر على القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب الأولى : ( لأنعمه ( فهو لا يزال يزيده من فضله ، فتقبل دعاءه لكم فاشكروا الله اقتداء به ليزيدكم ، فكأنه قيل : فما أثابه على ذلك ؟ أو علل ما قبل ، فقال تعالى : ( اجتباه ) أي اختاره اختياراً تاماً ) وهداه ) أي بالبيان الأعظم والتوفيق الأكمل ) إلى صراط مستقيم ( وهو الحنيفية السمحة ، فكان ممن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ، وكان مخالفاً للأبكم الموصوف في المثل السابق ؛ ثم قال : ( وءاتيناه ) أي بما لنا من العظمة ) في الدنيا ( بلسان الصدق والثناء الجميل الذي ذللنا له ألسنة الخلق ) حسنة ( ونبه بالتعبير عن المعطي بنون القلوب على محبته ، وجعل له فيهم لسان صدق ، ورزقه في أولاده من النبوة والصلاح والملك والكثرة ما هو مشهور .
ولما كانت عظمة الدنيا لا تعتبر إلا مقرونة بنعمة الآخرة ، قال تعالى : ( وإنه في الآخرة ( وقال تعالى - : ( لمن الصالحين ) أي له ما لهم من الثواب العظيم - معبراً ب ( من ) تعظيماً لمقام الصلاح وترغيباً فيه .